القضية لم تنته بعد ...بقلم أ. سمير الخطيب

 القضية لم تنته بعد 


أمشي في شوارع بلدتي وأعرف كل حجر فيها باسمه.


أعرف الشجرة التي كسر أبي غصنها ذات شتاء، وبقي الندب في خاصرتها حتى اليوم. أعرف البيت الذي وُلدت فيه جدتي، والبئر التي جفّت قبل أن أُولد أنا، لكن الناس لا تزال تشير إليها وتقول: "بئرنا"، كأن الماء لم يرحل حقًا.


أعرف هذه الأرض.


والأرض تعرفني.


غير أن ثمة من يقف بيننا بأوراق رسمية ويقول: لا.


لا أسكن في منفى.


هذا ما يُفترض أن يُريحني، وهو ما يُعذّبني في الوقت ذاته.


المنفيّ يعرف ما فقد ويعرف من أين فُقد. أما أنا فلا أزال هنا، أتنفس الهواء نفسه الذي تنفّسه أجدادي، وأرى الجبل نفسه كل صباح، لكنني أحمل ورقة تُعرّفني بي دون أن تذكر من أنا.


تسألني: مواطن لماذا؟


أجيب: لأنني هنا.


تسألني: من أي شعب؟


فتُصرخ الورقة بالجواب الذي تعرفه الحجارة والشجر والقبور: فلسطيني.


تُعيد الدولة تعريف الوجود بما يناسبها. الأصالة جريمة إدارية، والذاكرة تحتاج إلى ترخيص، والهوية تُحشر في خانة "أقلية" كما تُحشر الأشياء القديمة في أدراج لا يفتحها أحد.


لكنني لستُ أقلية في ذاكرتي.


أنا فلسطيني.


وفلسطين ليست فكرة طارئة، بل هي الاسم الأقدم في هذا المكان، قبل كل الأسماء التي جاءت بعدها.


أبي لم يكن يتحدث عن السياسة كثيرًا. كان يتحدث عن الأرض.


يقول: "هذا التين غرسه جدك"، ويقولها بطريقة تجعل الجدّ حاضرًا بيننا على المائدة، يمدّ يده ويأخذ حبة.


السياسة عند أبي كانت تينًا وزيتونًا وقمحًا، لم تكن خطبًا.


وأنا تعلّمتُ منه أن الانتماء ليس ما تكتبه على لافتة، بل ما تزرعه وتنتظره، وتعود إليه في مواسمه.


الآن أفهم أن هذا النوع من الانتماء هو ما يُخيف بعض الدول أكثر من الخطب.


الشجرة لا تُقنعها البيانات.


الشجرة تعرف من غرسها.


أحيانًا يسألني أحدهم — بحسن نية أو بغيرها — :


ماذا تريد؟


أريد أن أكون ما أنا عليه دون أن يكون ذلك تحديًا.


أريد أن تحمل ورقتي الرسمية شيئًا مما تحمله روحي.


أريد أن يُذكر اسم شعبي كاسمٍ لا كمشكلة.


أريد أن يكون حضوري في هذه الأرض حقًا، لا استثناءً يُمنح ويُسحب.


لستُ أطلب المستحيل.


أطلب ما كان.


يقول لي من يحبني:


"اهدأ، الأمور تتحسن."


وأنا أؤمن بالتحسّن.


لكنّ ما يُربكني ليس الظلم وحده، بل اللغة التي تحاول تزيينه.


أسمع أحيانًا من يطلب منّا أن نسمّي التنازل حكمة، وأن نسمّي الصمت واقعية، وأن نسمّي الاعتياد على النقص نضجًا سياسيًا.


كأن الكلمات وُجدت لتخفيف وطأة الجرح لا لكشفه.


لا أخاف من الهزيمة بقدر ما أخاف من لحظة يتوقف فيها الإنسان عن تسميتها باسمها.


فالأشياء تبدأ بالضياع حين تفقد أسماءها الحقيقية.


وحين يُصبح الخضوع "دهاءً"، والقبول بالأقل "إنجازًا"، والتكيّف مع الظلم "براغماتية"، لا يكون الواقع قد تغيّر، بل تكون اللغة هي التي استسلمت قبله.


فالإنسان لا يخسر معركته يوم يُهزم، بل يوم يقتنع أن الهزيمة هي الشكل الطبيعي للحياة.


لذلك أؤمن أن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعبٍ ما، ليس أن يُسلب حقه، بل أن يُطلب منه أن يشكر من سلبه، وأن يرى في الفتات دليل عدالة، وفي الصمت فضيلة، وفي التنازل طريقًا إلى النجاة.


لذلك لا أصمت.


ليس لأن الكلام يغيّر العالم دائمًا، بل لأن الصمت يغيّر صاحبه.


أتمسّك بالأسماء كما أتمسّك بالأرض.


أقول: هذه شجرة، لا رقم.


وهذا بيت، لا ملف.


وهذه فلسطين، لا قضية مؤجلة إلى موعد آخر.


لأن الحقيقة لا تحتاج إلى إذن كي تبقى حقيقة.


ولا تحتاج الذاكرة إلى اعتراف كي تكون ذاكرة.


وأنا أعرف من أنا.


وأعرف أين أقف.


وأنا هنا.


وهذه فلسطين.


ليست ذكرى ولا مطالبة، بل هي الهواء الذي أتنفسه والتراب الذي يعرف خطواتي منذ أن كنتُ طفلًا لا يعرف بعدُ أن وجوده سيصبح يومًا موضع جدل.


وهذا شعبي.


وهذا — مهما أُعيد رسم الخرائط — لا يتغير.


ما يتبقى لي ليس وثيقة.


ما يتبقى لي هو هذا الحجر، وتلك الشجرة، وهذه اللغة التي تحمل في جذورها اسم المكان.


وما دامت هذه الأشياء موجودة، فأنا موجود.


وما دمتُ موجودًا، فالقضية لم تنتهِ بعد.

بقلم: سمير الخطيب

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح