وعي الجذور: في مواجهة العجلة. ..د. محمد شعوفي
وعي الجذور:
في مواجهة العجلة.
كنتُ أقف هذا الصباح أمام شجرة عجوز في طرف الحديقة، لم يلتفت إليها أحد، لا لأنها اندثرت، بل لأنها لم تكن تستجدي النظر.
كانت تقف في صمت الواثق، وجذعها ينطوي على حكاية أطول من عمر كل ما حولها.
ففكرتُ:
ما الذي يجعل شيئاً يبقى؟
تأخذنا الأيام في دوامتها الصاخبة، وتسحبنا تفاصيل السعي المحموم نحو غايات
قد لا تشبهنا، فننسى أن ننصت إلى حكمة البدايات الساكنة، وإلى القبلة الأولى للأرض التي نشأنا فيها.
نعيش اليوم في زمن يُقاس فيه النجاح بعدد الخطوات المتسارعة، وتُمنح فيه الأضواء لمن يركضون أسرع من غيرهم، حتى كدنا ننسى أن أعظم ما في الوجود لم يُخلق على عجل.
الجذور لا تتعمق في جوف الأرض إلا بصبر.
والثمار الطيبة تحتاج إلى خلوة طويلة مع الزمن قبل أن تنضج.
في سنوات الشباب الأولى، كنتُ كالناس، أظن أن الحياة سباق مفتوح، وأن الفوز حليف من يصل قبل الآخرين.
كنتُ أركض خلف الأحلام بعجلة واندفاع، وأحسب أن التريث صورة من صور التردد، وأن البطء نقيض التميز.
لكن الأيام كانت تخفي لي في طياتها درساً مختلفاً تماماً.
كانت تعلمني بصمتها المهيب وتقلباتها المفاجئة أن الطريق ليس كما يبدو من بدايته البراقة، وأن بعض الحقائق الوجودية الكبرى لا تُفهم إلا بعد العثرات والانكسارات.
ومع كل سقوط اضطراري، كنتُ أنهض حاملاً جزءاً جديداً من الفهم، وكأن التجربة كانت تنحت في داخلي إنساناً أكثر بصيرةً مما كنتُ عليه.
رأيتُ أُناساً انطلقوا كالشهب في سماء الحياة، ملؤوا الآفاق بريقاً وضجيجاً، ثم ما لبث وهجهم أن انطفأ عند أول اختبار حقيقي.
كانت سرعتهم مدهشة، لكنها لم تكن متجذرة بما يكفي لمواجهة المنعطفات الحادة.
وفي المقابل، رأيتُ آخرين يسيرون بهدوء النهر وثقة العارف.
لا يلفتون الأنظار كثيراً، ولا يتحدثون عن أنفسهم بزهو، لكنهم كانوا يبنون خطواتهم على أرض صلبة من الصبر الواعي.
يتعثرون فينهضون أكثر نضجاً.
ويتعبون فيستريحون في ظل الأمل، دون أن يتخلوا عن الطريق أو تُغيّرهم العواصف.
ثم يعودون إلى المسير بثقة من يعرف أن الغاية ليست في الركض المحموم، بل في الاستمرار الواعي.
وهؤلاء هم الذين يبتسم لهم الزمن في نهاية المطاف، لا لأنهم كانوا الأقوى، بل لأنهم كانوا الأعمق إرادةً والأكثر اتصالاً بجذورهم.
أدركتُ مع مرور السنوات أن الصمود ليس مقاومةً سلبية للشدائد، ولا حالة دفاعية مؤقتة أمام الأزمات.
إنه أسلوب متكامل في فهم الحياة، وقدرة الإنسان الفذة على تحويل الألم إلى معرفة، والتعب إلى خبرة متراكمة، والخسارة إلى درس مستفاد، والانتظار الثقيل إلى فرصة للنضج والتشكّل.
إنه ذلك الصوت الهادئ الذي يهمس في أعماقنا حين نظن أن الطريق قد انتهى:
ما زالت هناك خطوة أخرى تستحق أن تُخطى.
وكثيراً ما تكون تلك الخطوة الإضافية، التي نخطوها بعزيمة متعبة وقلب ما زال يؤمن، هي الفارق الحاسم بين الاستسلام والنجاح، وبين الانكسار والانتصار.
ولعل أعظم ما يمنحه الصمود للإنسان أنه يُعلّمه رؤية ما لا يراه المستعجلون.
فالإنسان المتسارع لا يرى إلا نقطة النهاية، ويفوته جمال الرحلة بأسرها.
أما الصامد فإنه يرى الطريق بكامل تفاصيله:
يرى الندى على أوراق الصباح، ويرى الجمال المختبئ في المنحدرات، ويكتشف أن الحياة ليست مجرد أهداف نصل إليها، بل خبرات نعيشها، ومعانٍ نتعلمها، وأرواح نصقلها في أثناء المسير.
ومن هنا يرتبط الصمود بالوعي ارتباطاً لا انفكاك منه.
فالوعي يجعل الإنسان يفهم أن بعض التأخر ليس هزيمة، وأن بعض الانعطافات الإجبارية ليست ضياعاً، وأن بعض المحن ليست عقاباً، بل مخاضات ضرورية لإعادة تشكيل الذات وتنقيتها.
لذا فإن الصمود الحقيقي
لا يقوم على قوة الاحتمال وحدها، بل على بصيرة نافذة ترى ما وراء الأحداث الظاهرة، وتدرك أن لكل فصل من فصول الحياة حكمته الخاصة التي ستتجلى في وقتها.
تعلمتُ من مدرسة الأيام أن ما يُبنى على مهل يبقى ويقاوم الفناء.
وأن ما يُغرس في تربة الصبر يمنح ثماراً أكثر نضجاً ودواماً.
أما المكاسب الخاطفة المستعجلة، فكثيراً ما تشبه زهرة برية جميلة تنبت بلا جذور، لا تقوى على مواجهة أول ريح عابرة.
ومن أجل ذلك، أروي هذه التجربة لا بلسان المنتصر المزهو، ولا بلسان الواعظ المتعالي، بل بلسان إنسان بسيط تعلّم من عثراته أكثر مما تعلّم من نجاحاته.
أرويها لكل من أثقلت كاهله الخطوات، ولكل من ظن أن تقدّم الآخرين يعني تأخره هو، ولكل من قارن فصله الأول بالفصول المتقدمة لغيره حتى كاد يفقد ثقته بنفسه.
فالزمن لا يقيس قيمة البشر بسرعة انطلاقهم, بل بقدرتهم على الثبات عند المنحدرات، وبجودة ما يتركونه من أثر، وبما يضيفونه إلى الحياة من خير وجمال ومعنى إنساني خالص.
كم من اندفاعٍ طائش طواه النسيان ولم يبق له أثر.
وكم من صمودٍ صامت تحوّل إلى ضوء يهتدي به من جاء بعده.
إن الذين يسيرون بروية، ويتوقفون ليضمدوا جراحهم بكبرياء، ويتأملون دروسهم بعمق، هم الذين يبلغون النهاية بقلوب أكثر سلاماً، وعقول أكثر حكمة، وأرواح أكثر اتساعاً.
وأعود في الختام إلى تلك الشجرة العجوز التي وقفتُ أمامها هذا الصباح.
لم تطلب من أحد أن ينظر إليها.
لم تتسابق مع ما حولها.
كانت تكتفي بأن تتعمق أكثر في كل موسم، وأن تمنح ظلاً أوسع في كل صيف، وأن تقف في العاصفة دون أن تنكسر، لأن ما تحت الأرض أكبر مما فوقها.
تلك هي الحكمة التي معمدتني بها الأيام:
البقاء للأكثر صموداً لا للأكثر استعجالاً.
وأعظم الانتصارات ليست تلك التي نحققها على الآخرين في ميادين السباق، بل تلك التي نحققها على اليأس في معاركنا الصامتة داخل أنفسنا.
فلنتعمق، لا لنكون أطول من الريح، بل لنكون أبقى منها.
بقلم:
د. محمد شعوفي
16 يونيو 2026م
تعليقات
إرسال تعليق