أبجدية العبور:...د. محمد شعوفي
أبجدية العبور:
منذ البدء، لم يكن الإنسان مجرد كائن يعيش في الطبيعة، بل كان روحاً تبحث عن المعنى من خلال اللفظ، وعن ذاتها من خلال الآخر.
وفي زمننا هذا، حيث تتسارع الرسائل وتتكاثر وسائل الاتصال بكثافة غير مسبوقة، يبدو للوهلة الأولى أن البشر أصبحوا أكثر قرباً وتلاحماً من أي وقت مضى.
غير أن الحقيقة العميقة تكشف لنا عن مفارقة وجودية عجيبة؛ فكلما ازدادت قنوات التواصل وتعددت التكنولوجيات، ازدادت المسافات النفسية وفجوات الفهم بين القلوب.
وأمام هذا الضجيج المتعاظم الذي يملأ الآفاق، أجدني أتوقف ملياً متسائلاً: ما الذي يجعل كلمة واحدة تبني جسراً متيناً بين قلبين، بينما تهدم كلمة أخرى ما شُيّد عبر سنوات من الود؟
لعله سؤال وجودي يبدأ جوابه من إعادة اكتشاف الكلمة نفسها، لا بوصفها أداة مجردة للتعبير فحسب، بل باعتبارها مسؤولية أخلاقية وجسراً حيوياً للوعي الإنساني.
ولم تكن اللغة يوماً مجرد آلية نفعية للتبادل التجاري أو المعرفي، بل كانت الروح الحية التي تسكن الجسد، والنور الذي يبدد وحشة المسافات الخفية بين النفوس البشرية.
أقف الآن في لحظة صفاء استثنائية، تتسلل إلى روحي كتسلل أول خيط من خيوط الفجر بعد ليل بهيم طويل.
وأصغي بكل جوارحي إلى ذلك الهمس العميق الذي يخبرني أن الكلمة ليست مجرد حرف عابر ينتهي مده عند حافة اللسان.
إنها كائن حي حقيقي، يولد من رحم الصدق، وينمو في فضاء الوعي الرحب، ثم يسافر بين النفوس حاملاً آمالها ومخاوفها، أوجاعها وأحلامها.
وفي عصر تلاطمت فيه الأصوات كأمواج في بحر لجي، وتاهت المعاني بين ضباب العجلة وغموض النوايا، أجد نفسي مدفوعاً للبحث عن جوهر التواصل الحقيقي، كما يبحث الظمآن عن عين ماء زلال في قلب صحراء قاحلة.
أفتش عن تجليات ذلك الفن النادر الذي يتجاوز حدود الحروف الهجائية، ليصبح وعياً مشتركاً ومساحة لقاء تتقاطع فيها الأرواح وتتآلف قبل الكلمات.
لقد أدركت مع تأمل السنين وتراكم الخبرات أن الكلمات ليست حجارة صماء نلقيها في فراغ العبث، بل هي بذور نغرسها في تربة القلوب.
وكل كلمة نلفظها تحمل في أحشائها احتمالات متعددة، وتتلوّن حتماً بتجارب من يستقبلها، تماماً كما يتلون الضوء بزجاج النافذة التي يمر عبرها.
وهنا تحديداً يكمن جمال اللغة وتعقيدها البديع معاً؛ فهي ليست قالباً جامداً نصب فيه أفكارنا، بل فضاء كونياً رحباً تتداخل فيه الرؤى والخبرات والذكريات والانفعالات.
إنها بوابات مشرعة على عوالم داخلية لا تنفد عجائبها.
غير أن هذا الجمال قد يتعثر أحياناً؛ فالفهم المغلوط يولد من كلمة عابرة لم تُحسب عواقبها، أو من حكم متسرع أملته الأنا، أو من قراءة مبتورة لمعنى لم يكتمل بعد.
وتلك العجلة العمياء تبني جدراناً نفسية لا تراها العين لكن تحسّها الروح؛ جدراناً صامتة تفصل بين القلوب وتجعلها جُزراً متباعدة رغم قرب المسافات.
وحين نمارس فضيلة الإنصات الواعي، ونمتلك شجاعة السؤال لطلب التوضيح، ونمنح الآخرين فرصة التعبير الكامل عما يقصدون، فإننا نمنح أنفسنا فرصة حقيقية لتجاوز تلك الجدران.
عندئذ، نمضي نحو الفهم المشترك خطوة بعد خطوة، وبثبات وثقة.
وإن كان للكلمة المنطوقة جمالها، فإن للكلمة المكتوبة مسؤولية مضاعفة.
فالكتابة لا تحمل نبرة الصوت، ولا تعابير الوجه، ولا تلك الإشارات الخفية التي يفهمها القلب قبل العقل.
ولهذا، فإن ترتيب الجمل واختيار علامات الوقف ليسا تفصيلاً شكلياً هامشياً، بل هما جزء لا يتجزأ من المعنى ذاته.
فالنقطة في موضعها الصحيح تمنح الفكرة حقها من التأمل قبل أن تنتقل إلى ما يليها.
والفاصلة في مكانها اللائق تُعطي القارئ نفساً يحتاجه لاستيعاب ما قرأ.
وغياب هذا الترتيب يجعل المعنى يتداخل ويلتبس، كما يلتبس الكلام حين يتحدث اثنان في آنٍ واحد دون أن يُنصت أحدهما للآخر.
إن الكاتب الواعي يُدرك أن القارئ يقرأ بعينيه لكنه يسمع بروحه، وأن الترتيب الجيد للكلمات هو الجسر الأول الذي يمر عليه المعنى قبل أن يصل إلى القلب.
لقد تعلمت أيضاً أن للكلمات مواسم وأوقاتاً لا تخطئها؛ فهي كالقمر لا يكتمل ضياؤه إلا في أوانه، وكالثمرة لا يطيب مذاقها قبل نضجها.
وفي اللحظات النادرة التي يصفو فيها القلب وتخف ضوضاء النفس، تهبط الكلمات كالمطر الهادئ على أرض عطشى، فتترك في الوجدان أثراً دافئاً لا تمحوه تعاقب الأيام.
وكم مرة جربت أن أصغي إلى محدثي دون أن أعدّ في ذهني جواباً مسبقاً، فإذا بالآخر يتحول بأثر الإنصات من خصم محتمل إلى رفيق رحلة صادق.
فالصمت ليس فراغاً موحشاً بين الكلمات، بل هو التربة الروحية الخصبة التي تنبت فيها الكلمات الصادقة.
ومن لا يصغي إلى أعماق نفسه، كيف له أن يصغي إلى نبض غيره؟
ومن لا يتصالح مع تناقضاته الداخلية، كيف له أن يفهم تعقيدات الآخرين ويسامح زلاتهم؟
ولهذا، جعلت لنفسي ميقاتاً يومياً مع مرآتي الداخلية، أسألها بصدق عما تريد قوله حقاً.
فإن أشرقت شمس الحقيقة في داخلي أطلقت للكلمة جناحيها، وإن غشيتها غيوم الانفعال آثرت الصمت الحكيم حتى تنجلي الرؤية.
وفي عالمنا الرقمي المعاصر، تتضاعف الحاجة إلى هذا الوعي بصفة ملحّة؛ ففي الفضاء الافتراضي تتطاير الكلمات مجردة من نبرة الصوت، وتُقرأ بعيداً عن تعابير الوجه وإشارات المشاعر الفطرية.
كم مرة أوقعتنا العجلة في سوء تقدير النوايا الطيبة؟
وكم من جدال بدأ من معنى بسيط لم يُفهم كما أُريد له أن يُفهم؟
لقد تعلمت في هذا الفضاء الأزرق أن أكتب كأنني أواجه إنساناً يجلس أمامي، وأقرأ كأنني أنصت إلى صوته، وأتذكر دائماً أن وراء كل شاشة صامتة قلباً نابضاً يبحث عن الفهم والقبول تماماً كما أبحث.
لهذا كله، أؤمن يقيناً بل أذوق طعم هذه الحقيقة، أن التواصل الواعي ليس مهارة ثانوية في تفاصيل الحياة.
إنه فن أخلاقي وإنساني رفيع يحتاج إلى يقظة روحية لا تغفو؛ يحتاج إلى شجاعة السؤال حين يلتبس المعنى، وإلى صدق الاعتراف حين نعجز عن الفهم، وإلى تواضع يجعلنا ندرك أن الحقيقة المطلقة لا تسكن في كلماتنا وحدها.
إنه دعوة هادئة وعميقة إلى أن نرتب كلماتنا كما يرتب النحات ضرباته الأخيرة على منحوته، وأن نقرأ الآخرين كما تُقرأ المخطوطات الثمينة: بانتباه شديد، ومحبة غامرة، واحترام مطلق.
وأخيراً، أدعو نفسي أولاً قبل غيري، وأدعو كل عين تمر على هذه الكلمات، إلى أن نجعل من فضاء التواصل مساحة للقاء الأرواح لا ساحة للصراع.
وأن نزرع بذور الوعي في أعماق ذواتنا قبل أن نطالب به الآخرين.
فالكلمة حين تخرج بيقظة تصبح سلاماً وبرداً.
وحين تُصاغ بصدق تصبح عهداً لا تزعزعه العواصف.
وحين تُستقبل بقلب منفتح تصبح باباً يلج بنا إلى عالم أكثر صفاءً ورحمة.
هذا هو عهدي مع نفسي: أن أجعل من كلمتي نوراً يهتدي به الحائر، ومن تواصلي وعياً يرتقي بالوجود، ومن فهمي المشترك رحلة لا تنتهي إلا عند حدود إنسانية أرحب وأجمل.
فربما كانت أعظم الهدايا التي يمكن أن يقدمها البشر لبعضهم، ليست كثرة الكلام، بل جودة الفهم وعمق الاستيعاب.
بقلم:
د. محمد شعوفي
18 يونيو 2026م
تعليقات
إرسال تعليق