ما لا يُقال: تأملات في نقاء الصمت وفضيلة الكتمان. ..د. محمد شعوفي

 ما لا يُقال:

تأملات في نقاء الصمت وفضيلة الكتمان. 


​ثمة في أعماق الروح البشرية قدرة نادرة لا يملكها كل أحد:

قدرة أن ترى وتعلم ثم تختار السكوت.

لا عجزاً عن الكلام، ولا جهلاً بالحقيقة، بل وعياً بأن بعض الحقائق إذا أُخرجت من موضعها أحرقت الجسور وأفسدت الأواصر.

هذه القدرة هي فن الستر، وهي من أرفع ما تبلغه النفس الناضجة في مراقي الخلق والإنسانية.

​في زمنٍ تتسارع فيه الكلمات أكثر من الأفكار، وتُبثّ فيه المشاعر والانفعالات بضغطة زر، أصبح الإنسان محاصراً بفيضٍ من الأصوات والآراء والأحكام.

ولم يعد الصمت يُفهم دائماً على أنه حكمة، بل صار عند كثيرين علامةَ ضعف أو عجزٍ عن الرد.

وسط هذا الضجيج المتواصل، ألوذ أحياناً بهدأة الليل حين تنام الأصوات وتخفت الأضواء، فأقف أمام مرآة روحي وأسألها:

كم مرة جرحتني كلمة فاخترتُ السكوت؟

وكم مرة لمحتُ عيباً فغضضتُ الطرف؟

وكم مرة فهمتُ ما لم يُقَل، فأمسكتُ ما لو نطقتُ به لتحطمت الأواني وانكسرت القلوب؟

هناك، في تلك الخلوة الصامتة، أتعلم أن أعظم ما أملكه ليس فصاحة اللسان ولا سرعة البديهة، بل ذلك النقاء الخفي الذي يحفظ للروح بهاءها، ويمنحها القدرة على اختيار الصمت حين يكون حكمة، والتغافل حين يكون رحمة، والستر حين يكون إصلاحاً.

​لقد تعلمت على مِحكّ التجارب أن نقاء القلب ليس عجزاً عن الرؤية، وأن التغافل ليس غباءً عن الحقيقة، وأن التسامح ليس استسلاماً، وأن الصمت الحكيم ليس انطواءً ولا هروباً من المواجهة.

بل هي كلها درجات من النضج الروحي، وثمرات لشخصية تعلمت أن تُدير مشاعرها بالحكمة لا بردود الأفعال.

أتأمل نفسي في كل يوم، فأرى كم من كلمة لو نطقتُ بها لانكسر حبل الود بيني وبين قريب.

وكم من عيب لو فضحتُه لانهار بناءٌ عمّرتْه سنون من المحبة والثقة.

وكم من حقيقة لو أُخرجت من موضعها أحرقت ما جمعه الزمن من مودة وعشرة.

ولذلك أجد أن الرحمة أحياناً ليست في كشف كل ما نعلم، بل في أن تبقى بعض الحقائق مطمورة في أعماق النفس، محفوظة بكتمان الصدور وحكمة الضمير، كما تُحفظ الجمرة تحت الرماد فلا تحرق أحداً.

​في زمنٍ تتسابق فيه الألسن إلى كشف العيوب، وتُطلق الأحكام على النوايا قبل أن تستوي الأفعال، أدركتُ يقيناً أن جمال الروح لا يُقاس بما يُقال، بل بما يُكتم حفاظاً على المودة وصوناً للروابط الإنسانية.

رحم الله من تغافل ليبقى الود قائماً، ومن ستر ما لا يُحمد كشفه، ومن آثر سلامة القلوب على نشوة الانتصار للنفس.

وهذا درس بليغ علّمني إياه القرآن الكريم في قصة يوسف عليه السلام، حين واجه إساءة إخوته بالكتمان الشديد والصمت المهيب:


﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نائفِسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾.


​أعيش هذا الفنّ كل يوم.

أُدرك ما يُقال وما يُضمر.

وأفهم أحياناً ما لا يُصرَّح به.

ومع ذلك أختار أن أحتفظ بكثير مما أعلم في صدري كأمانة، لا أبوح بها إلا إذا كان في البوح خير، وأكتمها حين يكون في الكتمان إصلاح للقلوب وبقاء للمحبة.

وأتساءل أحياناً:

أليس من الشجاعة أن تصمت وأنت تعلم؟

أليس من القوة أن تتجاوز وأنت قادر على الانتقام؟

أليس من النبل أن تستر وأنت قادر على الفضح؟

إن التغافل الذي أمارسه ليس تجاهلاً للواقع، بل اختيار واعٍ تُديره الحكمة.

والصمت الذي أُلزمه نفسي ليس خوفاً من المواجهة، بل شجاعة داخلية وكتمان نبيل لا يملكه إلا من امتلأ قلبه ثقةً بالله وسعةَ صدر ومحبةً للناس.

​ومن هنا يتجاوز فقه الستر والتغافل أثرَه الفردي ليصبح قيمة اجتماعية كبرى.

فحين يتعلم الناس أن يتغافلوا عن الهفوات الصغيرة، ويستروا ما لا يضر كشفه، ويختاروا التسامح بدلاً من التشهير، يكتسب المجتمع مناعةً ضد التوتر والخصومات.

وحين تنتشر ثقافة الرحمة بدلاً من ثقافة الإقصاء، تصبح العلاقات أكثر استقراراً، والثقة أكثر رسوخاً، والتعاون أكثر حضوراً.

وأكثر العلاقات لا يهدمها الخطأ نفسه، بل يهدمها سوء التعامل مع الخطأ.

وكثير من البيوت والأسر والصداقات كان يمكن أن تبقى عامرة لو وُجد فيها شيء من التغافل الجميل، وشيء من الستر الرحيم، وشيء من الحكمة التي تُفرّق بين ما يجب إصلاحه وما ينبغي تجاوزه.

​لكنني، يا لأسفي، ألمس كل يوم كيف تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي من جسور تصل القلوب إلى شاشات تنبض بالفضائح، ومن ساحات للتعارف إلى منابر للتشهير والتجريح.

لقد صار كثير من الناس يظنون أن نشر كل ما يرونه نوع من الشجاعة أو الصراحة، بينما هو في أحيان كثيرة هدمٌ لأساس الثقة الذي لا تقوم بدونه أي علاقة إنسانية.

يستسهل الكثيرون كتابة نوبة غضب عابرة، أو تصوير زلة لحظة طائشة، ثم نشر ذلك للعالمين، غير عابئين بأن الكلمة إذا خرجت لن تعود، وأن السر إذا فقد كتمانه أحرق ما جمعه الزمن من مودة وعشرة.

وما أكثر من يظن أن فضح غيره يرفعه، وهو لا يدري أنه يهوي بنفسه إلى دركات السفه وفقدان المروءة.

​لقد أصبح التغافل والستر في زمن الهواتف الذكية أشدّ صعوبة وأعظم أجراً.

فالصامت اليوم عن الزلة لا يواجه نفسه فقط، بل يواجه إغراء النشر، وفتنة التشفي، ووهم الظفر بإعجاب عابر أو تعاطف مؤقت.

لذلك أُدرّب نفسي كل يوم على أن أكون طبيباً للجراح الخفية لا مفتشاً عنها.

وأن أُداوي ما استطعت لا أن أزيده نزفاً.

وألا أستعير أصابعي لفضح سر ائتمنني عليه صاحبه في لحظة ضعف إنسانية لا تخلو منها نفس بشرية.

​إن العيب ليس في أن نرى عيوب الآخرين، فالإنسان بطبيعته يرى ويلاحظ ويفهم.

لكن العيب كل العيب أن نتحوّل إلى حرّاس لعثرات الناس، وأن نصبح كغربال مقلوب يُمسك بالشوائب ويترك الحب يمر.

القلوب النقية هي التي تحفظ الود مهما طال الزمن، وتختار التجاوز بوعي ورحمة، فتظل العلاقات نابضة بالاحترام والمحبة.

وما أجمل أن يكون الإنسان جسراً للسلام، يزرع الطمأنينة بدل أن يُثير الخصومة، ويفتح أبواب الرحمة بدل أن يغلقها بالجدال العقيم.

​إنها عبادة خفية لا يطّلع عليها إلا الله.

عبادة لا تحتاج إلى مسجد ولا محراب.

بل تكفيها خلوة النفس مع نفسها حين تهمّ بالكشف فتُمسك وتكتم، وحين تستعد للهجوم فتعفو، وحين ترى الزلل فتستر.

بهذا النقاء أحفظ كرامتي وأصون علاقاتي وأعيش بسلام داخلي يفيض على من حولي هدوءاً وطمأنينة.

وهو وحده ما يجعل الحياة أقل قسوة، والعلاقات أكثر دفئاً، والمجتمعات أكثر رحمة وإنسانية.

فما أحوج عالمنا اليوم إلى قلوب تعرف ثم تعفو، وترى ثم تستر وتكتم، وتقدر على الجرح لكنها تختار الشفاء.

تلك هي القلوب التي لا تهرم، لأن الرحمة لا تشيخ فيها، والستر لا يغادرها، والمحبة تظل فيها أقوى من كل ما عرفت وكتمت.

​بقلم:

د. محمد شعوفي

14 يونيو 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود