قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ قُفْلٌ… مَعْ وَقْفِ التَّنْفِيذِ...!!...عبد الرحيم الشويلي.

 "مَا أَسْعَدُ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصِدُوا عَلَيْهِ الأَبْوَابَ بِالأَقْفَالِ."

— فِيودور دُوسْتُويفسكِي


قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ


قُفْلٌ… مَعْ وَقْفِ التَّنْفِيذِ...!!.


لَمْ يَكُنِ البَابُ مُشْكِلَتَهُ،

وَلَا القِفْلُ ذَاتُهُ خَصْمًا، رَغْمَ ثِقْلِهِ الحَدِيدِيِّ الَّذِي كَادَ يُثَقِّلُ يَدَهُ.

المُشْكِلَةُ كَانَتْ أَعْمَقَ مِنَ الحَدِيدِ،

ظِلٌّ بِلَا شَكْلٍ، صَمْتٌ بِلَا صَوْتٍ،

يَنْتَشِرُ فِي الغُرْفَةِ كَمَا تَنْتَشِرُ رَائِحَةُ الغِيَابِ،

وَيَمْلَأُ قَلْبَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْلَأَ أَيَّ شَيْءٍ آخَرَ.

اشْتَرَى قِفْلًا ضَخْمًا،

ظَلَّ يَلْمِسُهُ، يَحِسُّ وَزْنَهُ،

كَمَا لَوْ أَنَّ كُلَّ وِزْنٍ فِيهِ يُحَاوِلُ أَنْ يَحْمِلَ سِرَّهُ الخَفِيَّ،

أَوْ أَنْ يُحْجِبَ وَهْمَهُ عَنِ الضَّوْءِ.

البَائِعُ نَظَرَ إِلَيْهِ بِدَهْشَةٍ، وَسَأَلَهُ:

— مَاذَا تَحْمِي بِهَذَا القِفْلِ؟

ابْتَسَمَ البَطَلُ بِصَمْتٍ، كَمَنْ يَحْمِي حُلْمًا تَاهَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ،

حَيْثُ لَا شَيْءَ سِوَى الظِّلَالِ، بَقِيَتِ الابْتِسَامَةُ صَامِتَةً، تَتَسَلَّلُ بَيْنَ الخَوْفِ وَالفَرَاغِ.

جَلَسَ عَلَى الدَّرَجِ، يُرَاقِبُ الظِّلَالَ وَهِيَ تَتَسَلَّلُ كَسِكَاكِينَ صَغِيرَةٍ،

الرِّيحُ تَمْسَحُ أَرْكَانَ الغُرْفَةِ بِلَا إِذْنٍ،

وَالصَّمْتُ يُعِيدُ تَرْتِيبَ كُلِّ خَوْفٍ صَغِيرٍ فِي قَلْبِهِ،

كَمَا لَوْ أَنَّ كُلَّ زَاوِيَةٍ تُعِيدُ كِتَابَةَ رَهْبَةِ اللَّيْلِ،

وَتُعِيدُ لَهُ وَهْمًا وَهْمِيًّا بِالسَّيْطَرَةِ عَلَى الفَرَاغِ الفَارِغِ.

كَانَ يَنْتَظِرُ سَرِقَةً، فَقْدَانًا، أَيَّ شَيْءٍ يُخَافُ عَلَيْهِ…

وَكُلُّ حَرَكَةٍ بَعِيدَةٍ كَانَتْ تُضَخِّمُ وَهْمَهُ كَمَا تُضَخِّمُ فَقَاعَاتُ الهَوَاءِ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ،

حَتَّى جَاءَ الفَجْرُ، يَقْطَعُ الظِّلَالَ بِنُورٍ يَفْتِكُ بِالخَيَالِ وَيَكْشِفُ كُلَّ الفَرَاغِ.

حِينَ غَمَرَتْ أَشِعَّةُ الشَّمْسِ الغُرْفَةَ، صَدَمَهُ الوُضُوحُ:

لَا كَنْزَ، لَا صُنْدُوقَ، لَا سِرًّا،

الجُدْرَانُ عَارِيَةٌ، الأَرْضُ فَارِغَةٌ،

وَالقِفْلُ الثَّقِيلُ عَلَى البَابِ الَّذِي بِالكَادِ يُغْلَقُ،

لَمْ يَبْقَ سِوَى قِطْعَةِ حَدِيدٍ صَامِتَةٍ، بِلَا مَعْنًى.

جَلَسَ عَلَى الدَّرَجِ، وَابْتِسَامَتُهُ الأُولَى تَحَوَّلَتْ إِلَى ضَحْكَةٍ بِلَا صَوْتٍ، صَرْخَةٍ بِلَا جُمْهُورٍ،

الفَرَاغُ امْتَدَّ فِي رَأْسِهِ، يُمَزِّقُ وَهْمَهُ الأَخِيرَ،

وَالصَّمْتُ أَصْبَحَ وَحْشًا يَحْدُقُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.

لَمْ يَكُنْ يَحْمِي شَيْئًا،

لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ شَيْئًا،

حَتَّى الخَوْفُ الَّذِي احْتَفَظَ بِهِ طُولَ اللَّيْلِ…

كَانَ مُجَرَّدَ ظِلٍّ مِنْ خَيَالِهِ، شَبَحٍ صَغِيرٍ يُرَاقِبُهُ مِنَ الزَّوَايَا،

يُرَاقِبُ كُلَّ لَحْظَةٍ خَلْوِهِ مِنَ الأَمَانِ وَالكَنْزِ وَالسِّرِّ.

نَظَرَ إِلَى القِفْلِ مَرَّةً أُخْرَى،

كَمَا يَنْظُرُ الإِنسَانُ إِلَى مِرْآةٍ لَا تُعْكِسُ سِوَى فَرَاغِهِ الدَّاخِلِيِّ،

ضَحِكَ، وَلَكِنَّهُ ارْتَعَشَ مِنْ إِدْرَاكٍ وَاحِدٍ مَرّ:

كُلُّ هَذَا اللَّيْلِ…

كَانَ مُجَرَّدَ مَسْرَحِيَّةٍ عَبَثِيَّةٍ،

أَدَاءٌ سَخِيفٌ مِنْ فَرَاغٍ بِلَا جُمْهُورٍ،

حَيْثُ يَخْتَفِي كُلُّ شَيْءٍ… حَتَّى الخَوْفُ..!.


د. عَبْدُ الرَّحِيمِ الشُّوَيْلِي

القاهرة

28.مارس.آذار.2026م.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود