مرآة الذات:..د. محمد شعوفي

 مرآة الذات:


في أفقٍ يلف الجبال بضباب الرحمة، وتحت شمسٍ تميل إلى الغروب كأنها تودّع يوماً آخر من أيام الخطأ البشري، جلست وحدي أتأمل البعيد. ولم تمض لحظات حتى لمح بصري طائرة تشق السماء في صمت، تمضي مسرعة، فلا تترك وراءها أثراً يبقى، ولا خطاً يدوم. وفي تلك اللحظة التي سكنت فيها الضوضاء، شعرت بحزن خفي لم أفهم سببه للوهلة الأولى. فلماذا نتعجل في الحكم على الآخرين ونتغافل عن أخطائنا؟ ثم أدركت:

ليس أخطر ما يفسد العلاقات بين الناس وقوعُ الخطأ، فذلك من طبيعة البشر، وإنما الأخطر أن نختزل الإنسان في خطئه، وأن جعل من لحظة عابرة حكماً دائماً، ومن زلة واحدة تعريفاً كاملاً لشخصه. 

كتلك الطائرة تماماً، رأيتُ في عبورها صورة صادقة لما نفعله حين نصدر أحكامنا؛ نمرّ سريعاً فوق حياة إنسان، ثم نمضي كما مضت، غير ملتفتين إلى أن كلماتنا قد تظل ندبةً في قلب من حكمنا عليه، بينما ننساها نحن بعد لحظات. وكثيراً ما أردد في نفسي أن أقسى الأحكام التي نطلقها على الآخرين قد تكون، في حقيقتها، إدانةً لأنفسنا قبل أن تكون إدانةً لهم. 

فالعين لا ترى في الآخرين إلا بقدر ما يسكنها من صفاء أو يعكرها من عتمة.

وكم مرة وقفنا موقف القاضي ونحن لا نعرف إلا جزءاً يسيراً من الحقيقة؟

وكم مرة أصدرنا حكماً على إنسان، ونحن لم نر من حياته إلا لحظة واحدة اقتطعناها من سياقها؟

كأننا نحكم على نهر متدفق من العمر والتجارب من خلال قطرة واحدة عابرة، ونتجاهل أن وراء كل إنسان قصة لا يعلم تفاصيلها إلا الله سبحانه وتعالى.

وكل إنسان يحمل في داخله عالماً لا تدركه الأبصار:  صراعات لا يراها أحد، وجراح لا يفصح عنها، وانكسارات يخفيها خلف ابتسامة هادئة. إن سرعة الحكم ليست مجرد عادة اجتماعية، بل داء يتسلل إلى القلوب في هدوء حتى يصبح سلوكاً نمارسه دون أن نشعر بخطورته.

نرى إنساناً يخطئ في ساعة ضعف، فنختزل تاريخه كله في تلك اللحظة، ونرسم له صورة جامدة لا تعترف له بفضيلة، ولا ترى فيه إلا ما أخطأ فيه. وننسى أننا جميعاً نسكن بيوتاً من زجاج، وأن عيوبنا قد تكون أكثر خفاءً من عيوب غيرنا، لكنها ليست أقل أثراً. 

ولطالما تساءلت في سكون الليل: 

لماذا نستعجل الإدانة؟ 

أهو شعور خفي يمنحنا وهماً بالتفوق، أم أننا نهرب من مواجهة عيوبنا بالانشغال بعيوب غيرنا؟

فالإنسان كثيراً ما يكسو عيوبه بأثواب الأعذار، مستنداً إلى ظروفه أو حسن نيته، حتى يبدو في عين نفسه أقل خطأً مما هو عليه.

وفي المقابل ينزع عن غيره كل عذر، ويحاسبه بمنتهى القسوة على ما يغفره لنفسه بسهولة، وكأن ميزان العدل يتغير بتغير الأشخاص.

فإذا صفَت مرآة الروح، أبصرت الخير قبل الشر، والفضل قبل الزلة، والإنسان قبل الخطأ.

أما إذا غشيتها غشاوة الهوى أو الكبر أو سوء الظن، فإنها لا تعكس إلا ما امتلأت به النفس من عتمة.

ومن هنا أدركت أن العدالة الحقيقية لا تبدأ في ساحات القضاء، بل في أعماق القلوب. فالإنصاف ليس شعاراً نردده، بل خلق نربي عليه نفوسنا، يسبق كلماتنا ويظهر في نظرتنا إلى الناس قبل أن يظهر في أحكامنا عليهم.

فلتكن نظرتنا إلى الآخرين كتلك النظرة التي نُلقيها على الغروب، نظرةً يملؤها التواضع، وتُدرك أن الشمس تغيب على الجميع بالقدر نفسه، وأن لكل واحدٍ منا ليله الذي يستر عثراته، ونهاره الذي يُظهر أجمل ما فيه.

وقبل أن نحكم على أحد، فلنقف طويلاً أمام مرآة الذات، ولنتذكر أن الرحمة التي نهبها للآخرين إنما نصنع بها مستقبلاً أكثر سلاماً لأنفسنا قبل غيرنا. وفي كل مرة تساورني الرغبة في إصدار حكم سريع، أدعو نفسي، وأدعوكم معي، إلى التوقف لحظة، والنظر إلى مرآة تعكس وجوهنا كما هي، لا كما نحب أن نراها.

هل أنا بمنأى عن الخطأ حتى أُجيز لنفسي أن أحكم على غيري؟

وهل أملك يقيناً بأنني لن أكون غداً في موضع من أُدينهم اليوم؟

إن إنسانيتنا الحقة تبدأ حين ندرك أننا جميعاً مسافرون في سفينة واحدة، تتقاذفها أمواج الحياة، فيتعثر أحدنا اليوم، وربما نكون نحن موضع التعثر غداً.

ومن هنا كانت الحكمة أن نمد يد العون بدلاً من أصابع الاتهام، وأن نرحم كما نرجو أن تُحيطنا الرحمة.

وختاماً، أقول لنفسي ولكم:  إن مرآة الذات ليست أداةً للزينة، بل محك الإنسانية وبوابة التغيير الحقيقي. من نظر فيها بصدق أبصر مواضع نقصه قبل أن يفتش عن عيوب غيره، ومن أعرض عنها ظل أسير أوهامه.

وربما كانت رحلتنا كلها لا تعدو أن نرتقي بأنفسنا من أفق الطائرة العابرة التي تمحو أثرها الرياح، إلى أفق النجوم الثابتة التي تهدي السائرين ولا تعبر. بقلم:

د. محمد شعوفي 

04 يوليو 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

الاعلام القذر...يوسف نعيم