قضبان غير مرئية..د. محمد شعوفي

 قضبان غير مرئية


 ليست أخطر السجون تلك التي تُشاد من حجرٍ وحديد.

ولا أشدُّ القيود ما يُكبِّل الأيدي والأقدام. 

بل إن أعظم الزنازين هي تلك التي يبنيها الإنسان في أعماق نفسه، ثم يُغلق أبوابها على قلبه دون أن يشعر. 

حتى يغدو أسيرًا لمشاعر مظلمة تنمو في الخفاء، وتتغذى من جراح قديمة لم تُداوَ. 

فتلبس هذه المشاعر ثوب الحقيقة، وهي في جوهرها أوهامٌ تستنزف الروح وتُطفئ نورها الفطري. 

ولطالما تأملت هذا العالم العجيب الذي نسميه النفس البشرية، فوجدته أوسع من أن تُحيط به الكلمات، وأعقد من أن تُفسره الأحكام المتعجلة.

فيها من النور ما يهدي صاحبها إلى سكينة القلب، وفيها من الظلمات ما قد يدفعه إلى التيه وهو يظن أنه يحسن صنعًا. 

ومن بين أكثر الآفات النفسية التي استوقفتني، وجدت الحقد والحسد. 

لا لأنهما مجرد انفعالين عابرين، بل لأنهما من السموم البطيئة التي تتسلل إلى الوجدان بصمت. 

ثم تستعبد الروح شيئًا فشيئًا حتى يصبح الإنسان سجينًا لما يحمله في داخله، لا لما يحيط به من الخارج. 

وكثيرًا ما سألت نفسي: 

لماذا يقسو الإنسان على نفسه قبل أن يقسو على غيره؟

ولماذا يسمح لبعض المشاعر السلبية أن تستقر في قلبه حتى تتحول إلى عبءٍ يطارده في يقظته ومنامه؟ 

وكيف يتحول قلبٌ خُلق أصلاً للمحبة والرحمة إلى موطنٍ للضغينة والكراهية؟ 

كلما أعدت طرح هذه الأسئلة، ازددت يقينًا بأن الحقد والحسد ليسا قدرًا محتومًا على البشر. 

بل هما طريق ينطلق من خاطرة صغيرة، أو جرحٍ لم يُحسن صاحبه احتواءه. 

ثم ينمو هذا الداء كلما غدّاه الإنسان بالمقارنات الظالمة، وسوء الظن، والاعتراض الخفي على أقدار الحياة.

فالإنسان قد لا يملك اختيار أول شعور يطرق باب قلبه، لكنه يملك مطلق الاختيار في أن يحتضنه أو يحرره. 

إما أن يجعله سحابةً صيف عابرة، أو مقيمًا دائمًا يعيد تشكيل شخصيته ويصوغ نظرته إلى الوجود. 

ومن خلال تأملي الطويل، أدركت أن الحقد والحسد، وإن التقيا في آثارهما التدميرية، فإن لكل واحدٍ منهما جذورًا وتجليات مختلفة. 

فالحقد غالبًا ما يولد من غضبٍ مكبوت، أو خيبة أمل لم تُحتوَ، أو جرح كبرياءٍ تُرك ينزف حتى تعفّن، أو شعورٍ بالإهانة عجز صاحبه عن تجاوزه والغفران فيه. 

بينما ينبع الحسد من مقارنةٍ قاصرة، يرى فيها الإنسان أن ما عند الآخرين من نعم هو انتقاصٌ شخصي مما عنده. 

وكأن الخيرات في هذا الكون خزينة ضيقة محدودة، لا يربح فيها أحد إلا إذا خسر غيره. 

وهنا تتبدى المأساة الحقيقية في أجلى صورها. 

فالحاسد لا يتألم لفقدان النعمة من بين يديه، بقدر ما يتألم لرؤيتها مستقرة عند غيره. 

والحقود لا يكتفي بحمل ألمه الشخصي، بل يظل أسيرًا طوعًا لمن يحقد عليه. 

يُراقب خطواته، ويتتبع نجاحاته، ويجعل من تفاصيل حياة الآخر مرآةً لخصومته الذاتية. 

فيمنح من يكرهه من وقته، وتفكيره، وطاقته النفسية أكثر مما يمنحه لنفسه ولمن يحب. 

وهكذا يخسر هذا الإنسان مرتين. مرةً حين امتلأ قلبه بالضغينة السامة، ومرةً حين أهدر عمره الثمين في ملاحقة ما لا يزيده إلا إنهاكًا. 

ومن هنا يترسخ السجن الحقيقي. 

سجنٌ فريد لا يحتاج إلى قضبان من حديد، لأن جدرانه تُبنى من سوء الظنون، وأبوابه تُغلق بملامح الغضب، ومفاتيحه تضيع بين الرغبة العارمة في الانتقام والعجز التام عن التصالح مع الذات.

في هذا السجن، لا يعود الإنسان يرى الأشياء على حقيقتها، بل كما تمليها عليه جراحه القديمة المعتقة. 

يؤول الكلمات البريئة بغير مقاصدها، ويفسر المواقف العفوية بسوء نية. 

ويرى في نجاح الآخرين هزيمةً نكراء له، وفي اختلافهم عنه عدوانًا مباشرًا عليه. 

وهكذا تتحول الحياة برمتها إلى معركةٍ مستعرة، لا مع الآخرين فحسب، بل مع الذات أولاً. 

وما يلفت الانتباه أن هذه السموم لا تنبت دائمًا من رغبة في الشر المحض. 

بل كثيرًا ما تبدأ من ألمٍ إنساني لم يُحسن صاحبه التعامل معه بشجاعة. 

تبدأ من خيبةٍ عاطفية، أو صداقةٍ انكسرت، أو ثقةٍ غالية خُذلت، أو مكانةٍ اجتماعية ضاعت، أو طموحٍ مشروع تعثر. 

فلو واجه الإنسان ألمه بالصدق والقبول، لتحول ذلك الألم إلى حكمة ونضج. 

لكنه إذا أنكر جرحه، وعلّق مسؤولية تعاسته على شماعة الآخرين، تحولت الخيبة إلى مرارة. 

وتحولت المرارة إلى ضغينة، والضغينة إلى حقدٍ أعمى يستنزف سنوات العمر. 

ومنذ تلك اللحظة، لا يعود منشغلًا بإصلاح نفسه وبنائها، بل بمراقبة الناس، وعدِّ نجاحاتهم، وانتظار عثراتهم.

وكأن شفاءه وخلاصه مرهون بسقوط غيره، لا بقيامه هو وتطوره. 

غير أن الأمر لا يتوقف عند تعذيب الذات. 

بل يمتد أثر الحقد والحسد المدمر إلى كل من يحيط بالمرء من أسرة، وعمل، ومجتمع. 

فالقلب الذي امتلأ بالضغينة لا يستطيع أن يمنح المحيطين به طمأنينة. 

والنفس التي استوطنتها الغيرة لا ترى في تميز الآخرين إلا تهديدًا لوجودها. 

فتتحول العلاقات الإنسانية الدافئة إلى ساحات منافسة شرسة، والمودة إلى ريبة، والثقة إلى شك دائم، والكلمة الطيبة إلى موضع تأويل خبيث. 

وكم من علاقة قرابة انقطعت بسبب ظن سيء، وكم من مشروع رائد تعثر لأن الغيرة غلبت روح التعاون البناء. 

وما أكثر الخسائر المجتمعية التي لا تصنعها قلة الإمكانات المادية، بل تصنعها أمراض القلوب وتآكل النفوس. 

وحين تستحكم هذه السموم في النفس، تبدأ في الظهور بأقنعة اجتماعية متعددة ومخادعة. 

فقد لا يكون الحقود صاخبًا أو معلنًا لعداوته، بل قد يتقن الصمت والمواربة. 

يبتسم في الوجوه وفي قلبه غيظٌ دفين، ويُخفي اعتراضه ونقمه خلف عباراتٍ منمقة ومجاملات باردة. 

ثم يترقب عثرة غيره بلهفة من ينتظر انتصارًا شخصيًا حاسمًا. 

ويبدأ بالتقليل الممنهج من شأن النجاحات، والتشكيك في النوايا والمقاصد، وتأويل المواقف بغير حقيقتها. 

حتى يغدو كل خيرٍ يصنعه الآخر موضع ريبة، وكل إنجازٍ يحققه سببًا جديدًا للألم النفسي. 

وليس هذا السلوك دليل قوةٍ أو ذكاء بحال، بل هو علامة صارخة على صراعٍ داخلي مرير لم يجد صاحبه الشجاعة الكافية لمواجهته والاعتراف به. 

ولعل أخطر ما يفعله الحقد أنه يسلب الإنسان أثمن ما يملك: حريته. 

فالحقود يظن واهمًا أنه يعاقب غيره بالكره، بينما هو في الحقيقة يعاقب نفسه وحده. 

ويمنح من يكرهه سلطةً خفية ومطلقة على راحته وهدوء باله، حتى يصبح هذا الآخر حاضرًا في تفكيره أكثر من حضوره في حياة ذلك الشخص نفسه. 

أما الحسد، فإنه يطمس أولاً نعمة الامتنان. 

فبدل أن ينظر الإنسان إلى ما بين يديه من نعم وهبات، يظل شاخص البصر إلى ما في أيدي الناس. 

فيتضاءل في عينه كل جميل يملكه، ويكبر ويستعظم كل ما يفتقده. 

ومن يفقد نعمة الرضا والامتنان، لن تكفيه الدنيا بحذافيرها.

فالفراغ الذي يسكن قلبه لا تسدّه كثرة النعم، بل يتّسع فيه الحقد كلما ضاق صدره عن الشكر.

وحسن النظر إلى النعم هو الحصن الذي يقيه هذا الاتساع من أصله، لا الدواء الذي يُطلب بعد استفحال الداء.

ومع كل هذا السواد، فإن هذه السموم ليست قدرًا لازبًا لا يُقاوم، وإنما هي أمراض عارضة يمكن الشفاء منها تمامًا إذا امتلك الإنسان شجاعة مواجهة مرآته الداخلية. 

فبداية العلاج الحقيقي ليست في توجيه أصابع الاتهام إلى الآخرين، بل في الاعتراف الشجاع بأن الجرح يسكن الداخل. 

وأن إصلاح القلب وتطهيره أولى بآلاف المرات من الانشغال بإدانة الناس وتقييمهم. 

ومن هنا يبدأ طريق التحرر والانعتاق. 

حين يتصالح الإنسان مع أقداره وخياراته، ويؤمن بعمق أن أرزاق الله الواسعة لا تُقسم بالمقارنات البشرية الضيقة. وأن نجاح الآخرين لا ينتقص أبدًا من نصيبه المكتوب، بل قد يكون مصدر إلهامٍ دافع له. 

وحين يدرك بالوعي الكامل أن العفو ليس تنازلًا أو ضعفًا، بل هو عملية تحريرٍ كبرى للنفس من أسر الضغينة. 

وأن الرضا ليس استسلامًا للواقع، بل قوة روحية هائلة تمنح القلب سكينة لا تُشترى بالمال. 

لقد أيقنت يقينًا لا يتطرق إليه الشك، أن النفس التي تفرح لخير غيرها، وتعمل دؤوبة على إصلاح ذاتها بدل الانشغال بعيوب الناس، هي النفس الوحيدة التي تنمو وتزهر حقًا. 

أما التي تستهلك عمرها وطاقتها في مراقبة الآخرين، فلن تحصد في نهاية المطاف إلا مزيدًا من التشتت والتعب والعدم. 

لأنها ببساطة جعلت مفتاح سعادتها الخاص في جيب غيرها. 

وفي نهاية هذا التأمل العميق، ازددت إيمانًا بأن أعظم الانتصارات في هذه الحياة ليست تلك التي يحققها الإنسان في الميادين ضد خصومه، بل تلك التي يحققها في خلوته على شهوات نفسه ونقائصها. 

فمن انتصر على حقده الكامن، وغلب حسده الطارئ، وحرر قلبه من أسر الضغائن، فقد استعاد إنسانيته المفقودة، وربح سلامًا داخليًا لا تمنحه الدنيا بملذاتها كلها. 

فالحياة قصيرة وعابرة، ولا تحفظ في سجلاتها إلا الأثر الطيب الخالد. 

ولا يبقى منها في نفوس الخلق إلا ما زرعه الإنسان من قيم الخير والرحمة والمحبة النقية. 

أما الحقد والحسد فزبدٌ عابر يذهب جفاء مع الريح، ويترك صاحبه وحيدًا شريدًا في سجنٍ مظلم لم يبنه له أحد، بل شيده بيديه لبنة لبنة، ثم نسي غفلةً أن مفتاح الانعتاق كان يكمن في أعماق قلبه منذ البداية. 

فلنختر إذن بوعي وإرادة أن نطهر أرواحنا قبل أن نحاسب غيرنا. 

وأن نجعل من الرضا، والعفو، والامتنان الصادق منهجًا يوميًا للحياة. 

لأن السلام الحقيقي لا يولد خارج الإنسان ولا يُستورد من وراء البحار، بل يبدأ نبعًا صافيًا من داخله. 

ومن ملك سلامه الداخلي، ملك القدرة على أن يرى الوجود بعينٍ صافيه، وأن يمنح هذا العالم من نوره الخاص بدل أن يستهلك عمره ويطفئه في ظلمات صراعات لا تنتهي. 

فالحرية الحقيقية هي ألا تكون مستعبدًا لأي قضبان غير مرئية تمنعك من العفو والحب. 

بقلم:

د. محمد شعوفي

18 يوليو 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

الاعلام القذر...يوسف نعيم