ميثاق الانصراف:..د. محمد شعوفي

 ميثاق الانصراف:


في زمنٍ تتزاحم فيه الشاشاتُ وتتلاطم الأصوات، لم يعد التحدي الأكبر أن أجد ما أقرؤه أو أتابعه، بل أن أعرف ما أتركه بحكمةٍ ودون شعورٍ بالذنب. 

لقد أصبحت وفرةُ المحتوى امتحاناً يومياً في حسن الاختيار، وإدارة الوقت، والوفاء لما أؤمن بأنه رسالتي في هذه الحياة. 

فليس كل ما يستحق القراءة يستحق أن أستهلك فيه عمري، وليس كل ما يُقال أو يعرض للنقاش يقتضي أن أقول فيه كلمتي. 

في زمنٍ تتراكم فيه المعلومات كسحبٍ لا تنقضي، أجدني كلما خضت غمار هذه الفضاءات الرقمية أواجه نفسي بسلسلةٍ من الأسئلة الوجودية. 

أيحاسبني ربي إن مررت على منشورٍ فلم أعلّق؟ 

أيؤنبني ضميري إن انصرفت عن نقاشٍ يدور أمامي ولم أخض غماره؟ 

أيؤاخذني الناس إن أمسكت قلمي، لا ازدراءً بما كُتب، بل لأن العمر أقصر من أن يتسع لكل شيء، ولأن الرسالة التي أحملها تسير في اتجاهٍ آخر؟

إنها أسئلةٌ لا يُجيب عنها أحدٌ سواي. 

أسئلةٌ لا تُوزن بمقاييس الآخرين ولا تُحسم بإرضاء الناس، بل تُحسم في محراب الضمير، حيث يلتقي صدق النية بحكمة الوقت.

وأول ما يواجهني في هذه الرحلة هو سؤال الوقت؛ فالوقت ليس مجرد ساعاتٍ تمضي، بل هو الكنز الذي لا يعود إذا مضى. 

كم من منشورٍ أمرّ به فأجد فيه فكرةً نافعة أو رأياً جديراً بالتأمل، وربما لو أطلت الوقوف عنده لازددت معرفةً. 

غير أنني تعلمت أن قيمة الشيء لا تكفي وحدها ليكون من نصيبي. 

فالوقت لا يسمح لي باحتضان كل جميل، ولا عمري يتسع لاستيعاب كل ما يُنشر. 

إن المشكلة ليست في جودة ما يكتبه الآخرون، بل في محدودية طاقتي البشرية. 

فمهما علت همة الإنسان، لن يستطيع أن يكون حاضراً في كل مكان، ولا قارئاً لكل سطر، ولا معلقاً على كل قضية.

ومن هنا أدركت أن ترك التعليق ليس تقصيراً، بل اعترافٌ صادق بحدود الوجود، واحترامٌ لعمرٍ ينقضي أسرع مما نظن. 

ولم أعد أخشى ضياع الوقت وحده، بل ضياع صفاء الذهن وتشتت القلب. 

فالعقل الذي يتنقل كل يوم بين عشرات القضايا يفقد قدرته على التعمق، والقلب الذي يستجيب لكل نداء يرهق نفسه حتى يعجز عن أداء رسالته. 

لهذا أصبحت حماية الانتباه جزءاً من حماية الرسالة، والمحافظة على التركيز مسؤوليةً وأمانة. 

ثم يأتيني السؤال الأعمق: أأكون مخطئاً حين أنصرف عن جدالٍ يملأ الشاشات؟

 فأجيب نفسي بهدوء: 

قد تكون تلك النقاشات نافعةً لي و لأصحابها وفي ميادينهم، لكنها ليست بالضرورة ميداني. 

إن الانصراف عنها ليس هروباً من الحق، بل وفاءٌ لما أُوتيته من فكر

فلو أن كل جندي ترك موقعه ليقاتل في كل الجبهات، لضاعت الثغور كلها. 

والنجاح في رسالةٍ واحدةٍ خيرٌ من التشتت بين عشر رسائل لا تكتمل واحدةٌ منها. ولهذا، حين أنصرف عن نقاش أو أمر على منشور دون تعليق ، فإنني لا أقلل من شأن المتحاورين أو أصحاب النصوص ، وإنما أحافظ على وحدة جهدي، كما يحافظ الغواص على أنفاسه للحظة الغوص العميق، لا للعبث بها فوق السطح. 

وكلما ازداد هذا السؤال حضوراً في نفسي، تذكرت أن الله تعالى لا يكلّف نفساً إلا وسعها. 

وإنما يسألها عن الأمانة التي استودعها إياها: 

هل أدّتها بإخلاصٍ وإتقان؟

عندها يطمئن قلبي، وأدرك أن الوفاء لرسالتي في بناء الإنسان والوعي ليس تقصيراً في حق غيرها، بل عدلٌ مع نفسي، وأمانةٌ لما منحني الله من وقتٍ وطاقة. 

ومن هذه الطمأنينة نفسها أفهم أن الإمساك عن التعليق أو عدم الخوض في النقاش للتفرغ للبناء ليس استعلاءً؛ فلكل قلمٍ وجهته، ولكل إنسانٍ ثغره. 

ولهذا أسأل نفسي قبل أن أكتب: 

هل يخدم هذا المنشور رسالتي؟ 

هل ينسجم مع بوصلة فكري؟ هل أملك شغفاً حقيقياً للحديث فيه؟

فإن كان الجواب بالنفي، كان تركه إخلاصاً لا تقصيراً. 

ولقد أيقنت أن النجاح لا يُقاس باتساع الحضور، بل بعمق الأثر. 

فقد يملأ الإنسان الشاشات حضوراً ثم لا يترك فكرةً تعيش بعده، وقد يقل ظهوره لكنه يغرس كلمةً تبقى، أو يوقظ وعياً يمتد أثره عبر السنين. 

ولذلك، أفضّل أن أكون نخلةً باسقةً تؤتي ثمرها في أوانه ورسوخها في أصلها، على أن أكون شجرةً كثيرة الأغصان قليلة الثمار. 

وفي ختام هذه التأملات، أعود إلى نفسي بطمأنينةٍ أعمق. 

لا خطيئة في صمتٍ حفظ وقتي، ولا تقصير في انصرافٍ صان رسالتي، ولا ذنب في إمساك قلمي عن حديثٍ لا يخدم وقتي وما نذرت له فكري وعمري. 

إن الخطيئة الحقيقية أن أبدد سنواتي فيما ليس من شأني، ثم أستيقظ وقد مضى العمر دون أن أترك في ميداني أثراً يليق بما وهبني الله. 

لم يكلّفني ربي بمتابعة كل شيء، بل كلّفني أن أتقن ما أحسنه، وأخلص فيما أكتب. سأظل أسير على هدي هذا الميثاق، لن أعتذر عن صمتٍ، ولن أندم على كلمةٍ لم أقلها لأن موضعها لم يكن هنا. 

فما قيمة كثرة الحضور إذا ضاع الأثر؟ 

وما جدوى كثرة الكلام إذا غاب المعنى؟ 

وهل يُحاسبني أحدٌ يوماً بغير صدق ما أخلصت له، وإتقان ما حملته من رسالة؟ 

بقلم:

د. محمد شعوفي 

25 يوليو 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

الاعلام القذر...يوسف نعيم