ثالوث الرفيق: ...د. محمد شعوفي

 ثالوث الرفيق: 

في زحام العمر وضجيج العابرين، يمرّ بالمرء أناس كثر، يشاركونه المأكل أو المجلس أو عابر الحديث. 

لكن ما أقلّ أولئك الذين يتركون في تلافيف الروح أثراً يستحق أن يُحفظ في الذاكرة ويُصان في سويداء القلب.

ومع امتداد السنين وتراكم التجارب، لم تعد رحلة الحياة في نظري تُقاس بطول المسافة، ولا بعدد المحطات التي أعبرها. 

بل بنوعية من يسير إلى جواري، ويمنح المسير معنى، ويجعل للخطوات غاية، وللتعب أملًا، وللوصول طعمًا.

لقد علّمتني الأيام أن الإنسان لا يحمل وحده حصيلة ما أنجزه في دنياه، وإنما يحمل أيضاً أثر من رافقهم، وتأثير من عاش بينهم. 

فالعلاقات ليست مجرد ترف اجتماعي، بل هي هندسة غير مرئية لصناعة الذات وتوجيه المصير. 

فالصحبة الحقيقية ليست لقاءً عابراً فرضته الظروف، ولا مجاورةً مؤقتة أملتها المصالح. 

بل هي امتزاج قيم، وتلاقي أرواح، وتبادل أثرٍ خفيّ يصنع في النفس ملامحها، ويترك في القلب ما يبقى حياً بعد انقضاء الأيام. 

ولقد وقفت غير مرةٍ في خلواتي أسأل نفسي متسائلاً: 

ما أثمن ما يمكن أن يقتنيه الإنسان في هذه الرحلة القصيرة؟ 

أهو المال الذي قد يفنى بين عشية وضحاها؟ 

أم الجاه الذي قد يتبدل بتبدل الأحوال؟ 

أم المكانة التي قد تزول بزوال أسبابها؟ 

وكلما أعدت السؤال على قلبي، جاءني الجواب ينبض من عمق التجربة لا من ظاهر الأمنيات. 

إن أثمن ما أملك ليس مالًا ولا جاهًا، وإنما رفيق صدقٍ يعينني على أن أكون أفضل مما كنت، ويأخذ بيدي كلما تعثرت خطاي. 

ومن هنا استقر في وجداني يقينٌ راسخ لم تصنعه متون الكتب وحدها، بل صاغته محكّات التجارب وامتحنته تقلبات المواقف. 

يقينٌ تحول إلى بوصلةٍ صارمة لا أحيد عنها في اختيار من يشاركوني مسير العمر: 

دينٌ يعصمه، وعقلٌ يقوّمه، وخلقٌ يكرمه. 

فإذا اختلّ أحد هذه الأركان، اختلّت بنية الصحبة وثقتها بقدر ما اختلّ منها. 

فالدين هو أول الحصون، والضمير الحي الذي لا ينام، والميزان الذي يردّ النفس إلى الحق كلما مالت بها الأهواء.

وحين أصاحب من يخشى الله في السر والعلن، أشعر بأمان مطلق؛ لأنني أسير مع إنسانٍ يراقب رب السموات قبل أن يراقبه الناس. 

ومثل هذا الرفيق لا يقرّبني من الخير بلسانه ومواعظه فحسب، بل بسيرته ووقاره قبل كلماته، وبأفعاله قبل نصائحه. 

فيكون حضوره تذكيراً دائماً بأن الطريق إلى الله لا يُقطع منفرداً، وإنما تعين عليه القلوب الصادقة كما تعين عليه الأعمال الصالحة. 

أما العقل، فهو النور الذي يهدي الخطى إذا تشعبت السبل، والبصيرة النافذة التي تكشف ما تخفيه ظواهر الأمور. 

وصاحب العقل الراجح لا يدفعني إلى التسرع، ولا يزين لي الخطأ باسم الجرأة، ولا التهور باسم الشجاعة. 

بل يردني إلى جادة الاتزان إذا اضطربت نفسي، ويقوّم اعوجاج فكري إذا زللت. 

ومعه تتحول العثرة إلى درس، والمحنة إلى خبرة، والخطأ إلى بداية جديدة. 

ولم أعد أنظر إلى العقل على أنه كثرة معلومات أو سرعة بديهة، بل أصبحت أراه حكمةً عميقة تُحسن توظيف العلم، وبصيرةً تميّز بين النافع والزائل. 

ومن صحبتُه بهذه الصفات، أجد نفسي أكثر هدوءاً في اتخاذ قراراتي، وأقرب إلى الإنصاف حين أختلف مع الآخرين. 

أما الخلق الكريم، فهو تاج هذه الصحبة، والترجمة الصادقة لما يختبئ في أعماق النفس من معادن. 

فقد يخدع المظهر الأبصار برهة، لكن الأخلاق وحدها هي المحك الذي يكشف حقيقة الإنسان حين تتبدل الظروف.

وصاحب الخلق النبيل يلين في موضع اللين دون ضعف، ويعدل في موضع الحكم دون شطط، ويعفو إذا قدر دون مَنّ. 

لا يجعل من زلتي العابرة باباً للإهانة، ولا من اختلافنا سبباً للقطيعة، لأن الأخلاق عنده حقيقة متجذرة لا قناع يُتصنع. 

ومن هنا أيقنت أن الخلق الكريم هو البرهان العملي على صدق الدين، والثمرة اليانعة للعقل الرشيد. 

فكم رأيت من إنسانٍ يملك علماً واسعاً، لكن قسوة خلقه نفّرت القلوب الصافية منه.

وكم عرفت من صاحبٍ قلّ كلامه، لكن حسن أدبه جعل حضوره راحة، وغيابه فراغاً موحشاً. 

وحين تجتمع هذه الخصال الثلاث، أشعر أنني أتحصن بحصنٍ منيع لا تهزه تقلبات الأيام. 

فهي ليست صفاتٍ تكميلية تزيد العلاقة رونقاً، بل دعائم وجودية تحفظها من الانهيار أمام اختلاف الطباع وتقلب الأحوال. 

ولقد لمست أن أثر الرفيق يمتد ليساهم في تشكيل الشخصية وصناعة المصير.

فالإنسان، وإن ظن أنه مستقل تماماً بفكره، يتأثر حتماً بمن يجاورهم، حتى يصبح من حيث لا يشعر نسخة من البيئة التي يأنس بها. 

كما أدركت حقيقةً أعمق: 

أن من يبحث عن الرفيق الصالح، ينبغي أن يجتهد أولًا في أن يكون هو نفسه رفيقاً صالحاً للآخرين. 

فليس من المروءة أن أرجو من غيري الصدق وأنا أقصر فيه، أو أطلب منه الوفاء وأنا أبخل به. 

ومنذ وعيت هذه الحقيقة، صرت أراجع دوافع نفسي قبل أن أراجع تصرفات الآخرين.

فخير الصحبة تبدأ أولاً من صلاح النفس، وأصدق العلاقات هي التي تنشأ حين يلتقي قلبان يسعى كلٌّ منهما لأن يكون عوناً للآخر لا عبئاً عليه. 

لقد تغيّرت نظرتي الكلية إلى العلاقات منذ استضاءت بصيرتي بهذه القناعة. 

فلم أعد أقيس غناي بكثرة من أعرف من الأسماء، بل بصدق وعمق من أصاحب. 

ولم يعد يغرّني بريق الكلمات المنمقة؛ لأن التجربة علّمتني أن الإنسان الحقيقي يُعرف بثباته عند الفتن، وبوفائه عند الغياب. 

وكثيراً ما سألت نفسي: 

كيف أميّز بين من يبني في داخلي ومن يهدم؟ 

وكيف أعرف من يستحق أن أمنحه مساحةً من عمري؟ 

ثم وجدت أن الجواب لا يكمن في كثرة ما يقوله المرء، بل في صدق ما يترجمه بفعله.

فأنظر إلى تصرفاته إذا غاب عنه رقيب الناس، وأتأمل معاملته مع البسطاء ممن لا ينتظر منهم منفعة. 

فهناك تحديداً تسقط الأقنعة، وتظهر المعادن الحقيقية براقة أو صدئة. 

ولذلك، لم أعد أخشى اليوم قلة الرفاق، بقدر ما أخشى سوء الرفقة وتبدل القلوب.

فالوحدة، وإن أثقلت القلب أحياناً، أهون بكثير من صحبةٍ تُفسد الضمير أو تُطفئ نور الإيمان في الصدر. 

وتبقى هذه القاعدة الذهبية منهجاً راسخاً لحياتي: 

لا أصاحب إلا من له دينٌ يعصمه، وعقلٌ يقوّمه، وخلقٌ يكرمه. 

فبوجود هذا الثلاثي المبارك في رفيقي، أطمئن أنني لا أسير في منعرجات الحياة عبثاً، بل أنمو فيها فكراً، وأرتقي بها روحاً. 

وفي ختام هذه المراجعة مع النفس، لا أوجّه هذا الحديث إلى غيري قبل أن أوجّهه إلى نفسي المقصرة. 

فكل يوم يمرّ من عمري يذكّرني بضرورة أن أكون أنا أولاً ذلك الرفيق الذي أتمنى أن أجده في غيري. 

فإن رزقني الله رفيقاً يجمع هذه الصفات، فقد امتنّ عليّ بنعمةٍ من نعم الجنة في الأرض. 

وإن تأخر لقاؤه، فلن أستبدل به صحبةً رخيصة تُنقص من قيمي؛ لأن الوحدة الواعية خيرٌ بألف مرة من أنسٍ زائف.

أسأل الله أن يرزقني وإياكم صحبةً صالحة تُعين على طاعته، وتشدّ من أزرنا في مواطن الضعف، وتكون لنا زاداً مباركاً في الدنيا، وشاهدةً لنا يوم نلقاه. 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. 

بقلم: 

د. محمد شعوفي 

21 يوليو 2026م.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

الاعلام القذر...يوسف نعيم