🚩الدبكة الفلسطينية....حين تدبك الروح قبل القدم..بقلم د. سمير الخطيب

 🚩الدبكة الفلسطينية....حين تدبك الروح قبل القدم


لم يقل شيئاً.


لم يشر بإصبعه، ولم ينادِ باسم أحد. فقط ترك موقعه على رأس الصف، وانزلق أمام الدبّيكة، ورفع قدمه — وكأنه يقول: هكذا.


الصف كله رآه. الصف كله فهم. وفي الخبطة التالية، عاد التناغم كما لم يُكسر.


هذا هو الرويس. لا يأمر، يُجسّد. لا يُصحّح، يُذكّر. وعينٌ على صفّه وعينٌ على جمهوره — وبينهما محرمةٌ معقودة تلوح في الهواء كأنها تكتب شيئاً لا تستطيع اللغة قوله.


بجانبه شابٌّ لم يتجاوز العشرين. واقفٌ على يساره. ينتظر. ليس لأن أحداً أجبره على الانتظار، بل لأن الدبكة علّمته أن القيادة بالدبكة لا تُؤخذ — تُمنح. وأن من يعرف كيف ينتظر، يعرف كيف يقود.


⭕️الجسد الذي لا ينسى


رأيتُ هذا المشهد مرات لا أحصيها. في أعراس الجليل حيث تعانق الجبالُ السماءَ، وفي المثلث حيث تحمل القرى أسماءً لا تجدها على خرائط الغرباء، وفي النقب حيث تدبك الأقدام على رمالٍ تعرف أصحابها جيداً. ومرةً واحدة لا تُنسى — قبل أن يُضرب الحصار وتُغلق السماء — في غزة.


في كل مرة، كنت أقف جانباً وأراقب. لم أكن أبحث عن شيء بعينه، لكنني كنت أجد شيئاً واحداً في كل مكان: الخبطة على الأرض تقع في لحظة واحدة. لا قبلها ولا بعدها. واحدة — كأن أقدام كل هؤلاء الرجال تسمع نبضاً لا يصله الآخرون.


حتى حين تصمت الموسيقى لحظة — حين يتنفس اليرغول أو تتوقف الشبابة — الخبطة لا تتوقف. شيءٌ آخر يقودها. شيءٌ أعمق من الإيقاع، أقدم من الأغنية. شيءٌ يسكن في اللاوعي الجماعي كما تسكن رائحة التراب في الذاكرة — لا تعرف متى دخلت، لكنها هناك دائماً.


علماء النفس يسمّون هذا "الذاكرة الإجرائية" — ما يحفظه الجسد بعد أن ينسى العقل. لكن الفلسطيني لا يحتاج مصطلحاً ليفهم ما تعرفه قدماه منذ الطفولة. هي ليست ذاكرة مكتسبة فحسب — هي ذاكرة موروثة، مزروعة في العظم قبل أن تُزرع في العقل.


⭕️الضيف الذي لم يكن غريباً قط


ثم حدث ما جعلني أتوقف طويلاً أمام هذا السؤال.


في عرسٍ في الشمال — فسوطة أو ما جاورها — دخل رجلٌ لم يعرفه أحد في القاعة. جاء من منطقة بعيدة، من جنوب فلسطين، من عالم آخر جغرافياً. لم يُعرَّف به، لم يُعلَن عن قدومه. وقف على يسار الرويس، وانتظر دوره بالأدب الذي تعلّمه الدبكة لا المدرسة. وحين جاءت المحرمة إليه — دبك.


لم يتردد. لم يسأل. لم يخطئ خطوةً واحدة.


والأغرب أن الصف خلفه لم يتردد هو الآخر. انسجموا معه فوراً — كأنهم يعرفونه منذ سنوات، كأنهم درّبوا معاً، كأن شيئاً ما قال للصف: هذا منّا.


وقفتُ أمام هذا المشهد وسألت نفسي: ما الذي يجري هنا بالضبط؟


ليست اللغة — فاللهجات تختلف. ليست الملامح — فالناس لم يتعرفوا عليه. ليست الملابس ولا الاسم ولا الانتماء القبلي. شيءٌ آخر تماماً تعرّف على نفسه في تلك اللحظة — شيءٌ لا اسم له إلا الهوية في أعمق تجلياتها. الهوية التي لا تحتاج وثيقة ولا تحتاج إثباتاً. الهوية التي تسكن في طريقة رفع القدم قبل الخبطة، في زاوية ميل الجسد، في التوقيت الذي لا يُعلَّم بل يُورَث.


الدبكة هي الجواز الوحيد الذي لم يستطع أحد مصادرته.


⭕️صفٌّ واحد يساوي عدلاً لم تحققه قوانين


انظر إلى صف الدبكة جيداً — ليس كتراث، بل كدرس في الحضارة.


هذا الرجل بالبدلة الرسمية كان قبل ساعة يوقّع عقوداً في مكتبه. والذي بجانبه مباشرة أمضى نهاره في عمل شاق منذ الفجر. وذاك الطبيب الذي يعالج طوال النهار يقف الآن ويُطيع. ورئيس البلدية الذي لا يجلس إلا في الصدارة يقف في المنتصف — لا فوق ولا تحت، بل معهم.


في صف الدبكة لا توجد درجات اجتماعية. الشيخ الكهل وإلى جانبه الفتى ابن الثامنة عشرة يؤديان الحركة ذاتها، بالقوة ذاتها، في اللحظة ذاتها. لا أحد يتكاسل بحجة العمر، ولا أحد يتعجل بحجة الحماسة. القانون هنا فوق الجميع — وهو ليس قانوناً مكتوباً في دستور، بل خبطةٌ يعرفها كل من وقف في هذا الصف يوماً.


والأعمق من المساواة في الحركة — المساواة في الانتظار. لا أحد يدخل على رأس الدبكة مهما كانت مكانته. لو أصرّ "المعزّب" نفسه على تقديم رجلٍ محترم، يرفض ذلك الرجل بأدب ويقف على يسار الرويس. ينتظر. يكمل الرويس دورته، وحين يمدّ المحرمة — يأخذها.


المساواة التي فشلت فيها الخطب والدساتير والثورات، تنجح فيها الدبكة كل ليلة عرس.


⭕️من الكنعانيين إلى اليوم — نفس الخبطة


ليست الدبكة وليدة الأمس. جذورها تمتد إلى ما قبل أن يكون للتاريخ المكتوب وجود في هذه الأرض. الكنعانيون كانوا يصطفون على شكل هلال حين يبزغ القمر، يضربون الأرض بأقدامهم كرسالةٍ إلى آلهتهم — كأن الأرض نفسها هي الوسيط بين الإنسان والسماء. الصيادون على شاطئ يافا وغزة كانوا يدبكون قبل الإبحار، يطلبون من الأرض أن تحفظهم حين يتركونها.


ثم جاءت القرون فوق القرون، وتبدّلت الآلهة والأسماء والحضارات — وبقيت الخبطة.


هذا ما يجعل الدبكة أكثر من رقصة. إنها حوارٌ متواصل بين الإنسان الفلسطيني وأرضه، يبدأ قبل الميلاد ولا يعرف نهاية. كل خبطةٍ هي تأكيد — أنا هنا. هذه أرضي. جسدي يعرفها.


ولهذا حين حاولوا سرقتها — وقدّموها باسم آخر على مسرح في إيطاليا كأنها ملكٌ لمن لا جذر له في هذا التراب — فضحهم الجسد نفسه. لأن الدبكة لا تُؤدَّى، تُعاش. ومن لا تحمل قدماه ذاكرة هذه الأرض، تخونه الخبطة في اللحظة التي تهمّ.


⭕️حين تُمنح المحرمة


عاد الرويس الكهل إلى مكانه. أكمل دورته. ثم التفت إلى الشاب على يساره — وبدون كلام، مدّ إليه المحرمة المعقودة.


الشاب أخذها. وتقدّم.


في تلك اللحظة لم يتبادلا قيادة رقصة فحسب. تبادلا أمانة. قال الكهل بلا كلام: أنا كنت هنا، والآن أنت هنا. وقال الشاب بلا كلام: سأحمل ما حملته...جيل يحمل الراية بعد جيل.


هذا هو سرّ استمرار الدبكة رغم كل شيء. ليست المهرجانات التي تحفظها، ولا الأرشيفات التي توثّقها، ولا حتى قرارات اليونيسكو التي تعترف بها — وإن كان لذلك قيمته. ما يحفظها حقاً هو هذا الشاب الذي وقف على يسار الرويس وانتظر. الذي تعلّم قبل أن يقود. الذي أخذ المحرمة وعرف ثقلها.


وخبطت الأقدام. كلها. في لحظة واحدة.


في بلد يحاولون محو اسمه، وتغيير خرائطه، وإسكات أغانيه — بقيت الأقدام تدبك. في النقب والجليل والمثلث والضفة وغزة، بل وفي المنافي البعيدة حيث لا تراب مألوف تحت القدم — بقيت الخبطة واحدة.


لأن فلسطين ليست فقط أرضاً على خريطة. هي أيضاً طريقة تضرب بها القدم الأرض. وهذا — لم يستطع أحد مصادرته حتى الآن.


بقلم : سمير الخطيب

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

الاعلام القذر...يوسف نعيم