مدخل بقلم الكاتب: الجزء الأول : غبار الغفلة الجزء الثاني : خطوة العودة ..د. محمد شغوفي
مدخل بقلم الكاتب:
الجزء الأول : غبار الغفلة
الجزء الثاني : خطوة العودة
في زمنٍ تتسارع فيه الخطى نحو المكاسب المادية، وتتزاحم فيه الأصوات حتى تكاد تطغى على صوت الضمير، لم تعد مراجعة الذات ترفًا فكريًا، بل أصبحت ضرورةً وجوديةً وأخلاقية، بها يستعيد الإنسان توازنه، ويجدد صلته بفطرته التي فطره الله عليها.
ومن هذا الوعي، وُلدت هذه الصفحات بوصفها رحلةً صادقةً في محاسبة النفس، ومكاشفةً هادئةً أمام مرآة الروح، بحثًا عن ذلك النور الذي قد تخبو شعلته تحت ركام الغفلة، لكنه لا ينطفئ ما دام في القلب بقية من صدق.
وقد جاء هذا العمل في جزأين متكاملين يجمعهما هدف واحد، هو استعادة الإنسان لإنسانيته.
ففي الجزء الأول، «غبار الغفلة»، أقف عند مظاهر الاغتراب الإنساني، وتشوه القيم، وقسوة العصر الرقمي، وما تتركه المادية والأنانية من ندوب في الروح.
أما الجزء الثاني، «خطوة العودة»، فهو محاولة لرسم طريق الاستعادة؛ طريق يبدأ من الداخل، بإحياء الضمير، وتجديد العهد مع الفطرة الربانية، والإيمان بأن إصلاح العالم لا يبدأ إلا بإصلاح الإنسان لنفسه.
إنها ليست صفحات تُقرأ فحسب، بل دعوة إلى وقفة صادقة مع الذات؛ لأن الإنسانية الحقيقية لا تُستعاد بالشعارات، وإنما تُبعث من جديد كلما عاد القلب إلى نوره الأول.
الجزء الأول
غبار الغفلة:
في غمرة هذا العصر الصاخب، يركض الإنسان نحو الأمام محاصراً ببريق الإنجازات، لكنه ينسى في زحمة الطريق أن يتفقد قلبه.
يبني ويهدم، ويجمع ويبدد، وصعوداً وهبوطاً يصارع الأيام؛ غير أنه في كل هذا الركض المحموم لا يكاد يسمع ذلك الصوت الخافت الذي يناديه من أعماقه..
صوت الفطرة التي فطره الله عليها يوم أودع فيه روحه ونفخ فيه من نوره.
قال الله تعالى:
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: 30].
إنها حكاية الاغتراب الأكبر في تاريخ الإنسان. ليس ذلك الاغتراب الذي يبعده عن وطنه أو يُقصيه عن ذويه، بل الاغتراب الذي يبعده عن نفسه وهو لا يزال يسكن جسده، ويُقصيه عن روحه وهو لا يزال يحمل اسمه.
ليست أعظم خسائر الإنسان أن يفقد مالاً أو جاهاً أو سلطاناً، فهذه جميعاً عوارض تزول مع تعاقب الأيام وتقلب الأحوال.
وإنما خسارته الحقيقية الصادمة أن يفقد جوهره دون أن يشعر، وأن تنطفئ في أعماقه تلك الشعلة القدسية التي أودعها الخالق فيه يوم سوّى خلقه وأتمّ تكوينه بتلك النفخة الربانية الأولى.
فيمضي المرء بين الناس مجرد صورة باهتة للإنسان، بينما يغيب عنه جوهر الإنسانية وحقيقتها الأعمق.
ولعل أخطر ما يميز عصرنا أن الخراب لم يعد يقتصر على الحجر والعمران، بل امتد ليتسلل إلى القلوب والضمائر بخطى ناعمة لا تُسمع، حتى غدت الإنسانية نفسها غريبة تبحث عمّن يؤويها، في زمنٍ تتسارع فيه الخطى المادية وتتعاظم فيه الثورات التكنولوجية، بينما يضيق فيه صدر الإنسان بأخيه الإنسان.
إننا لم نكن يوماً ضد التقدم العلمي أو الرفاهية الرقمية؛ فالأزمة ليست في تطور العقل، بل في موت العاطفة وتأليه المنفعة.
لقد حملنا في أعماقنا أمانةً وجودية عظيمة، لم تُكتب في صحائف ولم تُحفظ في خزائن موصدة، وإنما نُقشت في أصل الفطرة يوم سوّانا البارئ سبحانه وتعالى.
إنها الإنسانية؛ ذلك النور الخفي الذي يميزنا عن سائر المخلوقات، ويمنح وجودنا في هذا الكون الفسيح معنى أخلاقياً يتجاوز حدود المصلحة الآنية والمنفعة الضيقة.
غير أن هذا النور يتعرض اليوم لرياح العولمة والمادية التي لا تهدأ، حتى أصبح كثير منا يعيش مغترباً عن ذاته وهو يظن واهماً أنه يقترب منها.
وفي خضم هذا الصخب الذي يجرنا خلفه، أقف اليوم وحيداً أمام مرآة روحي.
لا أتأمل ملامح وجهي التي غيّرها الزمن، بل أتأمل ما خفي وراءها من انكسارات وتحولات. أتفقد ذلك الإنسان البسيط الذي كان يسكنني يوم كانت الفطرة نقية، والقلب أكثر بساطة، والضمير حياً يقظاً لا يقبل المساومة.
أشعر في لحظة صفاء نادرة أن خيطاً رقيقاً ما يزال يصلني بذاكرة الطفولة الأولى.
هناك، حيث كانت الكلمات تحتفظ ببراءتها العذرية، والوجوه لا تعرف الأقنعة، وحيث كانت قبلةٌ دافئة على جبين أمي تكفي لتطفئ في داخلي كل حرائق الدنيا وهواجسها.
لكن ذلك الخيط أخذ يضعف ويتآكل مع مرور السنين وتراكم الخيبات. ورأيت أوراق الإنسانية تتساقط ورقةً بعد أخرى من شجرة العمر، حتى لم يبق في القلب إلا غصن عارٍ يتمايل في مهب الريح، ينتظر قطرة حياة تعيده إلى اخضراره الأول.
وهنا وقفت أمام نفسي في مواجهة صريحة لا تحتمل المراوغة أو التبرير، وسألتها بصدق جارح:
أين ذهبت تلك الجوهرة الثمينة التي كانت تنير دروبي الظلماء؟
وكيف سُلِبت مني من غير حرب معلنة، ولا غزو خارجي، ولا سلاسل مرئية تُقيد يدي؟
كيف استطعت أن أفقد أعظم ما أملك، وأنا منشغل بجمع ما ظننته أعظم المكاسب؟
لقد آن الأوان لأن أمسح غبار الغفلة عن مرآتي، لا لأرى وسامتي الزائلة، بل لأرى حقيقتي العارية.
آن الأوان أن أفتش في أعماقي عن تلك الأمانة التي أودعها الله في فطرتي، فأهملتها في زحام الحياة حيناً، وخذلتها في مواقف الضعف حيناً آخر، دون أن أدرك أنني أخسر نفسي قبل أن أخسر أي شيء آخر.
أقف اليوم أمام الواقع المعاصر كما أقف أمام نفسي تماماً.
فما نعيشه من جفاف عاطفي وتصحّر قيمي ليس حادثاً عابراً فرضته الظروف وحدها، ولا قدراً محتوماً لا سبيل إلى دفعه، بل هو الثمرة المُرّة لاختياراتنا وتنازلاتنا التي تراكمت حتى صنعت هذا المشهد الإنساني المضطرب.
لقد مضى العالم بعيداً وبسرعة جنونية في طريق التقدم المادي، لكنه نسي في رحلته أن الإنسان لا يُقاس بما يملك من أدوات، بل بما يحمل في قلبه من رحمة، وما يزرعه في الأرض من خير، وما يتركه في الأرواح من أثر باقٍ.
ولم يعد الفقر الحقيقي في عصرنا هو فقر المال والعتاد، بل هو فقر القلوب وانعدام الحساسية الأخلاقية.
ولم تعد أخطر العزلات هي عزلة الأماكن والبراري، بل عزلة الأرواح وهي تتجاور تحت سقف واحد ثم لا يلتقي منها شيء.
صرنا نعيش وسط حشود هائلة وعواصم مليونية، لكن كثيراً من الوجوه لا ترى إلا شاشاتها الصماء، وكثيراً من القلوب فقدت دفء اللقاء الإنساني الحقيقي، حتى أصبح الإنسان في سلوكه اليومي أقرب إلى الآلة المبرمجة منه إلى أخيه الإنسان.
لقد أدركت وأنا أراجع هفواتي وخطاياي أن كلمة "الإنسانية" لم تعد تحمل في واقعنا ذلك الوزن العميق الذي كانت تحمله يوم كانت القيم هي التي تمنح الأشياء معناها الحقيقي. لقد بهت بريقها تحت وطأة الأنانية المفرطة التي تجعل الإنسان يرى مصلحته الفردية قبل الحق والعدل، وتحت ضغط ثقافة مادية أصبحت تقيس قيمة الكائن البشري بما يملك في حساباته لا بما يكون عليه في جوهره.
وتحت قسوةٍ تتسلل إلى النفوس في صمت، حتى غدت الكلمة الجارحة أمراً مألوفاً، والظلم سلوكاً مبرراً، واللامبالاة أسلوباً للحياة.
إنها قسوة لا تدخل القلوب دفعة واحدة، بل تتسلل إليها بنعومة كما يتسرب السم الزعاف إلى الجسد النحيل؛ لا يغيّر لونه في البداية، لكنه يفتك بكيانه وينخر عظامه شيئاً فشيئاً.
وهكذا يبدأ الانهيار الحضاري من الداخل قبل أن يظهر في الشوارع والمحاكم والمؤسسات. فالشر والفساد لا يفرضان نفسيهما دائماً بقوة غاشمة، وإنما يستعيران في كثير من الأحيان ثوب الفضيلة، ويتخفيان خلف شعارات المصلحة والواقعية، حتى يعتادهما الناس وهم يظنون واهمين أنهم يحسنون صنعاً.
ومن هنا كان لزاماً عليّ أن أبدأ بمراجعة نفسي قبل أن أراجع العالم وأوزع صكوك الاتهام عليه، وسألتها أسئلة وجودية لم أعد أستطيع الهروب من استحقاقاتها:
كيف أستحق أن أُسمى إنساناً إذا كنت أجرح قلب غيري بكلمة طائشة أو نظرة كبر؟
وكيف أطلب الاحترام لنفسي وأنا أستخف بمعاملة الآخرين وأستهين بكرامتهم؟
وكيف أرفع شعارات الرحمة في المحافل ثم أقسو على أقرب الناس إليّ حين تختلف رغباتهم عن رغباتي؟
وكيف أزعم الوفاء والنزاهة ثم أنكث عهداً قطعته، أو أضيع أمانة استُؤمنت عليها؟
وكيف أدّعي البر وأنا أقصّر في حق والديّ اللذين أفنيا نضارة أعمارهما في رعايتي، ثم أتركهما يواجهان غول الشيخوخة في وحدة موجعة؟
ثم نظرت في لحظة وعي مؤلمة إلى موائدي العامرة، ورأيت في المقابل عائلات بأكملها لا تجد ما يسد الرمق، ونعماً تُلقى هدراً بينما يبحث آخرون من بني جنسنا عن كسرة خبز تحفظ كرامتهم الآدمية.
عندها أدركت أن المشكلة الكبرى في العالم ليست في قلة الخيرات، وإنما في قلة الرحمة وغياب التكافل. وليست في ضيق مساحة الأرض، وإنما في ضيق قلوب ساكنيها؛ فالنعمة التي لا تمتد بظلالها إلى الآخرين تتحول في ميزان السماء إلى امتحان واستدراج، والثروة التي لا تُسند بها يد المحتاج قد تصبح حجة على صاحبها قبل أن تكون وجاهة له في الدنيا.
ولم تقف مظاهر فقدان الإنسانية عند حدود المال والطعام، بل امتدت إلى عالمنا الرقمي؛ حيث أصبحت الكلمة تُكتب بضغطة زر، لكنها قد تترك في قلب صاحبها جرحاً غائراً لا يندمل مع السنين.
كم من إنسان هُدمت كرامته بتعليق ساخر من خلف شاشة مجهولة.
وكم من أسرة تشتت شملها بسبب إشاعة كاذبة تصدرت التداول.
وكم من نفس بريئة أثقلتها حملات التشهير والتنمر الإلكتروني والكراهية المجانية.
لقد صار بعضنا ينسى أن وراء كل شاشة قلباً حياً يشعر، وروحاً رقيقة تتألم، وإنساناً له كرامة مصونة منحها الله له من فوق سبع سماوات قبل أن يمنحها له المجتمع أو القوانين الوضعية.
وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة من التبلد واللامبالاة، فإنه لا يفقد بوصلته الأخلاقية فحسب، بل يبدأ فعلياً بفقدان نفسه وإنسانيته.
وحين يفقد الإنسان نفسه، فلن يستطيع أن يبني عالماً أكثر رحمة وأمناً، مهما بلغ من التطور العلمي أو القوة أو الثراء.
إن الحضارات لا تنهار يوم تضعف جيوشها، وإنما تنهار يوم تضعف ضمائرها وتموت أخلاقها.
ولا تسقط الأمم حين يقل مالها، بل حين شحّت رحمتها ويسود الجفاء بين أبنائها.
وهنا، في عمق هذا الألم الصادق وهذه الأسئلة التي لا تحتمل التأجيل، أدركت أن التشخيص وحده لا يشفي، ورؤية الجرح لا تكفي ما لم تمتد إليه يد الطبيب الحكيم.
كان لا بد من خطوة أخرى.. أصعب وأعمق وأكثر شجاعة.
كان لا بد من قرار العودة.
الجزء الثاني
خطوة العودة:
خلال رحلتي الطويلة في محراب الذات، بين أسئلة تكاد تحرق وصمت يكاد يتكلم، بين ليالٍ راجعت فيها نفسي وأيام واجهت فيها حقيقتي، أدركت بوضوح لا يقبل الشك أن الانحدار الذي رصدته في نفسي وفي مجتمعي ليس قدراً محتوماً كُتب علينا أن نستسلم له، ولا لعنةً أبدية لا فكاك منها.
بل هو ثمرة خيارات صغيرة نتخذها كل يوم، حتى تصنع في النهاية ملامح الإنسان الذي نصير إليه والمجتمع الذي نبنيه.
وكان عليّ، قبل أن ألوم العالم وأُوزع صكوك الإدانة على الآخرين، أن أبدأ من حيث ينبغي أن يبدأ كل تغيير حقيقي وكل إصلاح نابع من عمق الإرادة.
كان عليّ أن أبدأ من الداخل.
لقد انشغلت طويلاً ببريق الأشياء الخارجية والمظاهر الخداعة، حتى كدت أنسى أن قيمة الحياة الحقيقية لا تُقاس بما نقتنيه ونجمعه، بل بما نصنعه من خير عميم، وما نغرسه من رحمة في النفوس، وما يتركه سلوكنا من أثر طيب في قلوب الناس.
وأيقنت أن الإنسان لا يحيا بالخبز والجسد وحدهما:
فالجسد قد يشبع من الملذات بينما تبقى الروح جائعة تطلب غذاءها الحقيقي.
وقد يكتمل المسكن ويفخم البناء وتظل النفس مشردة بلا مأوى داخلي.
وقد تتسع المدن وتتشابك الطرق بينما تضيق القلوب بمن يسكنها.
فالوجود الإنساني الحقيقي ليس ثوباً أنيقاً ولا بيتاً فخماً ولا رصيداً ضخماً في حساب مصرفي؛ إنه رقيٌّ في الخلق والتعامل، وسعةٌ في الصدر لاستيعاب الآخر، ولينٌ في القلب يفيض بالشفقة، وصدقٌ في المشاعر لا يعرف الزيف. إنه شعورٌ يقظ دائم بأن كل إنسان يمشي على هذه الأرض يحمل قصةً تستحق الاحترام، وجراحاً غائرة لا يعلمها إلا الله وحده.
ومنذ تلك اللحظة التنويرية الفارقة، بدأت أفهم بعمق أن الإنسانية ليست لقباً فخرياً يُكتب في وثيقة ميلاد، ولا صفةً تمنحها الشهادات الأكاديمية أو المناصب المرموقة.
إنها سلوك يومي معاش.
إنها طريقة في النظر إلى الناس وتقييمهم، وأسلوب عذب في الحديث معهم وجبر خواطرهم، وصبر جميل عند الغضب والامتحان، وعدل مطلق عند القدرة والتمكين، ورحمة واحتواء عند الضعف والعجز، ووفاء أصيل حين تتغير الأحوال والمصالح.
وأدركت أن الطريق إلى استعادة إنسانيتي لا يبدأ من تغيير العالم الخارجي، بل يبدأ مني أنا؛ من تلك البقعة الخفية المقدسة في الصدر التي تتشكل فيها النيات والضمائر قبل أن تترجم إلى أفعال وسلوكيات، ومن ذلك الصوت الهادئ الخفي صوت الفطرة الذي كثيراً ما أسكته ضجيج الحياة وهواها، مع أنه كان أصدق الأصوات وأعدلها على الإطلاق.
كان عليّ أن أعيد ترتيب أولوياتي الأخلاقية، وأن أنفض الغبار المتراكم عن القيم النبيلة التي دفنتها تحت ركام الانشغال اليومي والجري وراء لقمة العيش:
أن أتعلم من جديد، كطفل مبتدئ في مدرسة الحياة الأولى، كيف أحب بصدق لا مصلحة فيه ولا حساب.
وكيف أصفح عن زلات الآخرين بقلب لا يُضمر ضغينة.
وكيف أستمع بإنصات وتعاطف قبل أن أصدر أحكامي السريعة، وكيف أفهم الأعذار قبل أن أوجّه أصابع الاتهام.
لقد اكتشفت أن الحب الحقيقي ليس عاطفة غريزية عابرة أو كلمات غزل تذروها الرياح، بل موقف أخلاقي وجودي يغيّر طريقة رؤيتي للعالم من حولي؛ هو أن أريد الخير والنجاح للناس كما أريده لنفسي تماماً، وأن أفرح لتميزهم وارتفاعهم كما أفرح لنجاحي الشخصي، وأن أمد يدي إلى المتعثر لينهض قبل أن أوجّه له العتاب على سقوطه.
كما أدركت بيقين العارفين أن التسامح والصفح ليس ضعفاً ولا تنازلاً مهيناً عن الكرامة الشخصية كما تروّج الثقافة الدارجة بل هو قوة روحية هائلة لا يملكها إلا من انتصر على نرجسيته وهزم نفسه الأمارة بالسوء.
فكل إنسان نقابله يحمل في داخله معركة ضارية لا يراها أحد سواه، وكل قلب يخفي وجعاً وألماً لا يظهر على ملامح الوجه الخارجية.
ومن أدرك هذه الحقيقة الكونية، أصبح بالضرورة أرفق بالناس في تعامله، وأقل قسوة وجرأة في إطلاق أحكامه السريعة عليهم.
وأيقنت أن أعظم الانتصارات البشرية ليست تلك المعارك العسكرية التي يصفق لها التاريخ وتُرفع فيها الرايات، بل تلك المعارك الصامتة التي أخوضها كل يوم مع نفسي وخباياها:
حين أغلب أنانيتي وحب ذاتي.
وأكبح جماح غضبي حين يستعر.
وأقاوم إغراء الظلم حين تلوح الفرصة.
وأختار الصدق النقي حين يكون الكذب مخرجاً أسهل وأربح.
وأؤثر العدل والإنصاف حين تكون المصلحة الشخصية في غيره.
هناك فقط، في تلك اللحظة بالذات، يبدأ الإنسان الحقيقي الذي أراده الله في التشكل والبروز، وهناك فقط تستعيد الروح الظمأى شيئاً من صفائها ونقائها الأول.
وعلمت أن الإنسانية لا تزدهر في عزلة وانكفاء على الذات، بل تنمو وتثمر كلما امتدت بظلالها الخيرة إلى الآخرين:
في كلمة طيبة كشجرة طيبة أقولها لمن أثقله الحزن فيجد فيها سلوى..
وفي ابتسامة صادقة من القلب أزرع بها بذور الأمل في قلب عابر سبيل يائس..
وفي يد أمدها إلى محتاج ملهوف دون انتظار مصلحة مقابلة..
وفي عفو كريم أقدمه لمن أساء إليّ وظلمني، رجاءً وطمعاً أن يعفو الله العلي القدير عن زلاتي وخطاياي وما أكثرها.
فرب كلمة صادقة بسيطة أحيت قلباً كاد يذبل من اليأس، ورب موقف رحيم صغير غيّر مسار حياة إنسان بأكملها وانتشله من الضياع.
ولهذا أصبحت أؤمن بيقين راسخ أن بناء العالم وإصلاحه لا يبدأ من منصات المؤتمرات الدولية الكبرى، ولا من الشعارات السياسية الرنانة المفرغة من مضمونها، بل يبدأ من داخل الإنسان نفسه حين ينتصر على شرور ذاته، ويعيد إلى قلبه مكانته التي سلبتها منه قسوة الأيام ومادية العصر.
ولذلك فإن مسؤولية استعادة الإنسانية ليست حكراً على المفكرين والمربين، ولا على عاتق القوانين الصارمة فحسب، بل هي مسؤولية فردية تبدأ من كل واحد منا دون استثناء:
تبدأ حين أراقب كلمتي قبل أن ينطق بها لساني.
وأراجع نيتي وخبايا صدري قبل أن أشرع في العمل.
وأزن مواقفي كلها بميزان الضمير الحي لا بميزان الربح السريع.
واليوم، وبعد هذه الرحلة الطويلة في محراب الذات، أقف مرة أخرى أمام مرآة روحي.
لكنني لا أقف فيها باحثاً عن ملامحي الخارجية، بل أقف منقباً عن إنسانيتي الكامنة في أعماق تلك المرآة؛ أبحث بشغف عن ذلك الطفل النقي الذي كنته يوماً، الطفل الذي لم يكن يعرف الحقد والضغينة، ولم يكن يقيس الناس بما يملكون من أموال ومناصب، بل بما يمنحون من حب دافئ واهتمام صادق.
وأدرك الآن بكامل الوعي أن الطريق إلى هذا الطفل وإلى الفطرة الأولى لم يكن يوماً بعيداً أو مستحيلاً؛ لقد كان دائماً يبدأ بخطوة واحدة شجاعة، خطوة العودة الصادقة إلى الفطرة الإلهية النقية.
وأوقن تمام اليقين أن استعادة إنسانيتي وترميم روحي ليست حلماً مؤجلاً ولا أمنيةً مستحيلة في زمن المادة، بل هو قرار واعٍ أجدده وألتزم به مع كل شروق شمس جديد:
قرارٌ يظهر أثره في بيتي مع زوجتي وأولادي قبل أن يظهر في الشارع والعمل.
وفي أسلوب تعاملي مع أسرتي وأرحامي قبل مجتمعي الكبير.
وفي كلماتي وحروفي التي أخطها قبل مقالاتي وكتاباتي.
وفي أفعالي الواقعية قبل آرائي وتنظيراتي الفكرية.
إنها رحلة جهاد ومكابدة لا تنتهي، لأن الإنسان يظل طيلة حياته في حاجة ماسة إلى أن يراجع نفسه، ويصقل روحه، ويجدد عهده المقطوع مع القيم السامية التي خلقه الله عليها وركبها في جبلّته.
فكل يوم يمر دون محاسبة للنفس يترك على مرآة القلب غباراً جديداً يحجب الرؤية، وكل موقف ينتصر فيه الضمير على الهوى يمسح شيئاً من ذلك الغبار، حتى تعود الروح صافية نقية كما أرادها بارئها سبحانه وتعالى.
وحين أمسح بدموع الصدق والندم آخر ذرة من غبار الغفلة عن مرآة روحي، لن أرى وجهاً شاحباً أنهكته صراعات الأيام، بل سأرى ذلك الطفل الطاهر الذي كانت تكفيه قبلةٌ دافئة على جبين أمه ليشعر بيقين أن العالم كله بخير وسلام.
سأرى الإنسان الرسالي الذي أراد الله له أن يكون في الأرض رحمةً مهداة لا نقمةً مسلطة، وبناءً شامخاً لا هدماً وتخريباً، ونوراً هادياً يبدد الظلمات لا ظلاماً دامساً يعمي الأبصار.
عندها فقط سأدرك بعمق أن الإنسانية لم تكن يوماً شيئاً خارجياً فقدته في دروب الحياة، وإنما كانت نوراً داخلياً خفت جذوته تحت ركام الغفلة والركض وراء السراب، ينتظر فقط لحظة صدق مع الخالق ليعود أكثر إشراقاً وبهاءً.
فالإنسانية ليست ذكرى تاريخية نبكي على أطلالها، ولا شعاراً أجوف نتغنى به في المحافل، بل هي عهدٌ وثيق نجدد الوفاء له والعمل بمقتضاه كل يوم؛ عهدٌ قطعناه على أنفسنا ألا نسلّم قلوبنا للقسوة والتبلد، ولا عقولنا للأنانية والمنفعة، ولا ضمائرنا للمصالح العمياء والشهوات الزائلة.
وعهدٌ أن نبقى أوفياء مخلصين للفطرة الربانية التي أكرمنا الله بها وميزنا بها، وأن نترك لمن يأتي بعدنا من الأجيال أثراً طيباً من رحمة وسلام، كما نرجو ونطمع أن نجد ممن سبقنا من الصالحين أثراً من نور وهدى يقودنا إلى بر الأمان.
بقلم:
د. محمد شعوفي
30 يونيو 2026م
تعليقات
إرسال تعليق