حين تنامُ الروحُ مطمئنة: في مديح الضمير والسكينة...د. محمد شعوفي
حين تنامُ الروحُ مطمئنة:
في مديح الضمير والسكينة.
ليسَ كلُّ ما يلمعُ ذهباً، وليس كلُّ من يبتسمُ مرتاحاً.
فالراحةُ الحقيقيةُ لا تُقاسُ بما يراهُ الناسُ، بل بما تعيشُهُ الروحُ حينَ يغيبُ شهودُها.
في خِتامِ النهارِ، حينَ يُرخِي الليلُ سدولَهُ على ضجيجِ العالَمِ، وينسحبُ الزحامُ ليتركَ الإنسانَ وحيداً أمامَ مرآتِهِ الأبديةِ، لا يَبقى في الميزانِ إلَّا ما غرستْهُ اليدُ، وما نطقَ به اللسانُ، وما خبَّأهُ القلبُ.
وهناكَ، حيثُ تسكنُ الحركةُ وتنقطعُ الأصواتُ، يتجلَّى أعظمُ ما ينالُهُ المرءُ في دنياهُ:
سكينةٌ لا يُعكِّرُها هاجسٌ، وطمأنينةٌ لا تزولُ بزوالِ مالٍ أو جاهٍ.
إنَّ هذه السكينةَ ليست هِبةً تهبطُ من الغيبِ بلا ثمنٍ، ولا حظًّا عابراً يُصيبُ أناساً ويُخطئُ آخرين.
بل هي ثمرةُ خيارٍ واعٍ، وخطٍّ ثابتٍ، وعهدٍ صادقٍ مع النفسِ بأن يكونَ الصدقُ رفيقاً، والنزاهةُ دستوراً، والضميرُ حارسَ الطريقِ في العلنِ والخفاء.
وفي زمنٍ تشتبهُ فيهِ الموازينُ، وتتزيَّنُ فيهِ الأقنعةُ، يظلُّ الضميرُ الصافي هو المئذنةَ التي تهدي إلى السلامِ الداخليِّ، والوطنَ الذي لا يُهَدَّمُ، والوسادةَ التي تحملُ ثقلَ الروحِ برفقٍ وعدلٍ.
حينَ يخلعُ الإنسانُ ثيابَ التعبِ، ويقفُ عارياً أمامَ حقيقةِ ذاتِهِ، يُدركُ أنَّ الوسادةَ التي تُريحُ الجفنَ لا تُطرِّزُها خيوطُ الحريرِ، بل يُنيرُها نورُ النقاءِ.
فكلُّ ليلةٍ مِحكٌّ، وكلُّ نومٍ شهادةٌ صامتةٌ على يومٍ عاشَهُ المرءُ بوضوحِ الشمسِ في كبدِ السماءِ.
لقد خابَ مَن ظنَّ أنَّ الغِنى يُقاسُ بامتلاءِ الخزائنِ، أو أنَّ العِزَّ يُوزنُ بعلوِّ المناصبِ.
فكمْ من قصرٍ بُنيتْ حجارتُهُ على دمعةِ يتيمٍ، أو منصبٍ رُفعتْ قوائمُهُ على ظهرِ ضعيفٍ، صارَ سِجناً مظلماً لصاحبهِ، وصارتْ وسادتُهُ حِملاً من الخوفِ والقلقِ بدلَ أن تكونَ مهداً للراحةِ.
إنَّ أهلَ الجاهِ والمالِ، إن فقدوا النزاهةَ، تقلَّبوا على أفرشةٍ من ورقِ الذهبِ وأرواحُهم تتأرجحُ بينَ كوابيسِ الفضيحةِ وأرقِ الذنبِ.
أغمضوا أجفانَهم على وسائدِ الترفِ، لكنَّ الطمأنينةَ جافتْ مضاجعَهم؛ لأنَّ وسادَتَهم كانت من رياشِ المكسبِ الحرامِ لا من ريشِ النقاءِ والراحةِ.
وحينَ أتأملُ مساري، لا أجدُ في صدري غيرَ اطمئنانِ مَن عاشَ ظاهراً كالنهارِ، نقيّاً كماءِ المطرِ.
لم أحتجْ يوماً إلى قناعٍ أُخفي به وجهي، ولا إلى أجنداتٍ سريةٍ أُدبِّرُ بها الغدرَ.
لم أرَ الناسَ أوراقاً أُلعبُ بها، بل أرواحاً كريمةً تستحقُّ الوقارَ والاحترامَ.
مَن أحببتُهُ أكرمتُهُ بصدقٍ، ومَن خالفني حاولتُ أن أتركَ له قلباً سليماً، ومَن فارقتُه تركتُ له أثراً بلا غِلٍّ ولا حِقدٍ.
هكذا كان طريقي:
ظاهراً كالنَّهارِ، لا يشوبُهُ ريبُ التلاعبِ، ولا كدرُ الانتهازِ، ولا اتخاذُ ضعفِ إنسانٍ أو حاجتِهِ أو جهلِهِ سبيلاً للرُّقيِّ والتسلقِ.
إنَّ ما يُبنى على الخداعِ أو اغتصابِ الحقِّ، مهما توارى خلفَ بريقِ الذهبِ، يبقى وحشةً مستقرةً في الصدرِ، وحفرةً في الضميرِ لا تدفنُها السنينُ.
أمَّا أنا، فقد اخترتُ البساطةَ في التَّعاملِ، والصدقَ في النيَّةِ، والنقاءَ في المسعى، فحصدتُ ما لا يُباعُ ولا يُشترى:
حريةَ النفسِ، وطمأنينةَ القلبِ، وسكينةً لا تُعاقبُها الليالي.
والضميرُ لا يُولدُ عظيماً، بل يتربَّى في مهدِ الذكرى والتجربةِ.
كلُّ موقفِ صدقٍ عِشتُهُ كان حجرًا كريماً في تاجِ نقائي، وكلُّ لحظةِ خيرٍ مررتُ بها كانت ندىً يروي وردةَ الروحِ.
وقد كان الحبُّ في حياتي رفيقَ الضميرِ لا قفصاً للامتلاكِ، ولا عقداً للاستعبادِ، بل تحريراً للآخرِ وإكراماً لجوهرِهِ، وشهادةً بأنَّ القلوبَ حينَ تلتقي بلا أقنعةٍ تبني عالماً لا يعرفُ الخيانةَ.
إنَّ سكينةَ الليلِ ميراثُ أمانةِ الأمسِ، وراحةَ الجسدِ لا تنفصلُ عن صفاءِ الروحِ.
مَن يزرعُ الصدقَ يحصدُ الطمأنينةَ.
ومَن يحفظُ الحرماتِ تحفظُهُ السكينةُ.
ولعلَّ أجملَ ما يمنحُهُ الضميرُ للإنسانِ ليس أن يراهُ الناسُ صالحاً، بل أن يبقى قادراً على النظرِ في مرآةِ نفسِهِ دونَ خوفٍ أو خجلٍ أو انكسارٍ.
وفي نهايةِ المطافِ، وقد جرَّبتُ الدنيا واختبرتُ أهلَها، أيقنتُ أنَّ أعظمَ نجاحٍ ينالُهُ الإنسانُ ليس في أن يجمعَ ما لا يأكلُ، أو يبنيَ ما لا يسكنُ.
بل في أن يلقى ربَّهُ والناسَ، ويدُهُ نظيفةٌ، ولسانُهُ عفيفٌ، وقلبُهُ سليمٌ.
فما قيمةُ الشهرةِ إذا كان ثمنُها ليلةً واحدةً بلا نومٍ؟
وما فائدةُ الجاهِ إذا كان يُشترى بمرارةِ الضميرِ؟
لذا، أرى أنَّ نشرَ هذا الوعيِ وإيقاظَ الضمائرِ ليس ترفاً فكريًّا، بل فريضةُ زمانٍ طغى فيهِ الخداعُ على الصدقِ، وصارَ التلاعبُ فيهِ حرفةً، وغابَ الخجلُ عن وجوهِ كثيرٍ منَّا.
فلنُعِدْ للضميرِ هيبتَهُ، ولنُعلِّم أنفسَنا وبني جنسِنا أنَّ أعظمَ ثروةٍ هي نفسٌ لا تخافُ، وأجملُ إرثٍ هو أثرٌ طيبٌ لا يُمحى مع تقادمِ السنينَ.
لقد اخترتُ أن أكونَ وطنَ ضميري، ونورَ ليلي، وحصادَ عمري.
أنامُ قريرَ العينِ، وأمشي شامخاً بنقائي، حُرّاً من قيودِ الخوفِ والتلوُّنِ.
وإن ضاعَ من الدنيا كلُّ شيءٍ، يبقى ذلكَ الكنزُ العظيمُ الذي لا تنالُهُ الأيدي: أن تُغمضَ جفنيكَ مطمئنًّا، وأن تُصالحَ روحَكَ قبلَ نومِكَ، وأن تنامَ كأنَّ الملائكةَ تحرسُ مَضاجِعَكَ.
بتلكَ السكينةِ وحدَها أحيا، وبها أمضي في دروبِ الحياةِ، وبها ألقى ربِّي مستبشراً تاركاً خلفي ضميراً حُرّاً طليقاً، كانَ لي خيرَ صاحبٍ في الدنيا، وخيرَ زادٍ ويقينٍ في الآخرةِ.
بقلم:
د. محمد شعوفي
25 مايو 2026م
تعليقات
إرسال تعليق