كي لا يموت السؤال بيان في فلسفة الكتابة والوعي. .د. محمد شعوفي

 كي لا يموت السؤال

بيان في فلسفة الكتابة والوعي. 


أكتبُ اليوم لا لأنني أحملُ يقيناً مطلقاً أضعه بين أيدي الناس، ولا لأنني أملكُ أجوبةً جاهزةً أُغلقُ بها أبواب الفكر.

بل لأن الكتابةَ كانت وما تزال رحلتي الهادئة نحو الفهم، ومحاولتي المستمرة لمصافحة ذلك النور الذي يختبئ خلف الأسئلة.

أكتبُ لأُذكّر لا لأُلقّن، ولأفتح نوافذ التأمل لا لأُسدل عليها ستائر اليقين، ولأدعو إلى رحلة البحث لا لأمنح خريطةً مكتملة الطريق.

لستُ مرشدًا يحتكر الحقيقة، ولا معلّمًا يعتلي منبر الإجابات، بل رفيق دربٍ يحملُ مصباحًا صغيرًا في ليلٍ طويل، ويسير باحثًا عمّا يُضيء القلب من الداخل.

وما أخطّه ليس ترفًا لغويًا، ولا زينةً بلاغيةً تُعلَّق على جدران الكلمات.

إنه محاولةٌ جادة لمقاومة الغفلة، وصوتُ روحٍ ترفض أن يتحوّل الوعي إلى محفوظات، أو أن يصبح الفكر تكرارًا لما قيل، أو أن يُختزل الإنسان في ما يُملى عليه.

في زمنٍ يعلو فيه الصخب حتى يكاد يبتلع السكون، وتتكاثر فيه الآراء الجاهزة حتى تضيق أنفاس السؤال، أرى للكلمة الصادقة وظيفةً مختلفة:

أن لا تُسكِت، بل أن تُوقِظ.

أن لا تُغلق الطريق، بل أن تفتح دروبًا جديدة داخل الإنسان.

فالكلمات التي تمنح أجوبةً نهائية قد تمنح راحةً عابرة، لكنها قد تُطفئ دهشة الاكتشاف.

أما الكلمات التي توقظ السؤال، فإنها تمنح الوعي فرصةً جديدة ليولد.

ومن هنا بدأتُ أفهم أن الوعي الحقيقي لا يولد من كثرة المعلومات، بل من السؤال الذي يهزّ الداخل، ويوقظ الساكن، ويجبر الإنسان أن ينظر إلى نفسه والعالم بعينٍ أخرى.

فالسؤال ليس نقصًا في المعرفة، بل بدايةُ الطريق إليها.

وليس علامةَ حيرةٍ دائمًا، بل قد يكون أصدق أشكال اليقظة.

كم من إنسانٍ حمل أجوبةً كثيرة لكنه لم يتغيّر؟

وكم من سؤالٍ واحدٍ أعاد تشكيل حياةٍ كاملة؟

ولهذا أؤمن أن الكاتب الحقيقي لا يوزّع الحقائق كما تُوزَّع السلع، ولا يطلب من أحدٍ التسليم.

بل يغرس في أرض الوعي بذور القلق الخصب، ذلك القلق الذي لا يهدم الإنسان، بل يعيده إلى نفسه، ويجعله يعيد النظر فيما اعتاده، ويستأنف علاقته بالحياة من جديد.

وربما لهذا شعرتُ أحيانًا بتلك المفارقة المؤلمة، حين يتجرأ بعض من يظنون أنهم بلغوا قمة العلم وامتلكوا ناصية الحقيقة، فيتعاملون مع ما أكتبه بمنطق المصحِّح لا المتأمل، ويُنقّطون النصوص كأنها أوراق امتحان في قاعة مغلقة، لا رسائل روح تبحث عن من يُصغي.

يقفون عند قشرة الكلمة ويغفلون عن لبّها، ويزنون الحرف بموازين الشكل الجامدة دون أن تلامسهم شعلة المعنى، ودون أن يتساءلوا ولو للحظة: ماذا أراد هذا النص أن يوقظ؟

وما يؤلم ليس النقد، فالنقد الحقيقي نعمة ومرآة.

ما يؤلم هو ذلك الاختزال القاسي حين تُحاصَر الكلمة في خانة تقييم ضيقة، وتُقاس روح النص بمسطرة لا ترى خلف السطور قلبًا يبحث، ولا تحس بوجع الأمل المنسكب بين الحروف.

لكنني لم أكتب يومًا لأنجح في اختبار أحد، ولم أكتب لأُختزل في معيار وضعه عقلٌ آثر الشكل على الجوهر.

أكتب لأن الكلمة عندي أكبر من أن تُحاكَم بلا بصيرة، وأعمق من أن تُقرأ بلا روح.

أكتب لأن الكلمة عندي رسالة وجودية، وصوتُ حريةٍ، وأمانةُ وعي.

ومع ذلك، فإن مسؤوليتي لا تبدأ عند من يقرأ.

إنها تبدأ من الداخل، من قدرتي على أن أكون صادقًا مع ارتباكي، أمينًا مع شكوكي، شجاعًا أمام جهلي، مستعدًا لأن أتعلّم مما أكتب.

فالكاتب الذي يتوقف عن السؤال يفقد شيئًا من روحه.

لأن السؤال ليس عدو اليقين، بل رفيقه الذي ينقّيه من الغرور، ويعيده إلى التواضع، ويمنحه حياةً متجددة.

وأؤمن يقيناً أن السؤال الذي يولد من أعماق الإنسان ويلازمه ويعيد تشكيل رؤيته للعالم، أقوى من مئات الأجوبة التي تُلقى جاهزة.

فالجواب قد يُنهي الرحلة، أما السؤال فيمنحها عمرًا آخر.

ومن هذا الفهم يتجلّى الامتنان العميق الذي أحمله لكل من قرأ.

فالامتنان ليس مجاملةً تُقال، إنه شعورٌ حقيقي يولد حين أدرك أن أحدًا ما قد رأى خلف كلماتي قلبًا يبحث، وعقلًا يتساءل، وروحًا تحاول أن تصل.

وفي تلك اللحظة لا يبقى القارئ متلقيًا سلبياً، بل يصبح شريكًا في الرحلة، وصانعًا للمعنى، ومساهمًا في اكتمال الحكاية.

وأسمى ما أرجوه من كل ما أكتب، ألا يخرج من قرأه وهو يحمل جوابي، بل أن يخرج وهو يحمل سؤاله الخاص.

فإذا شعر، ولو للحظةٍ واحدة، أنه ليس وحيدًا في متاهة الحياة، وأن ثمة من يشاركه قلق البحث ووجع الأمل، فقد بلغت كلمتي غايتها.

ولهذا أواصل السير.

أكتب لا لأنني وصلت، بل لأنني ما زلت في الطريق.

أكتب لأن في داخلي سؤالًا لم يكتمل بعد، ولأنني أؤمن أن الإنسان ما دام يسأل بصدق، فإنه لم يفقد قدرته على النهوض.

وما دام في الروح دهشة، وفي القلب مساحةٌ للبحث، وفي العقل شجاعةُ الاعتراف بأنه لا يزال يتعلّم، فستبقى الكلمة قادرةً على أن توقظ الحياة.

فالوعي لا يولد من امتلاك الحقيقة كاملة.

إنه يولد حين أجرؤ على طرق أبوابها، وحين أقبل أن أسير نحوها دون غرور المعرفة، ولا خوفٍ من المجهول.

لهذا لا أكتب لأمنح العالم أجوبةً نهائية.

أكتب كي لا يموت السؤال، وكي يبقى الإنسان إنساناً.

لأن الوعي، في النهاية، ليس ما نعرفه، بل ما نصير إليه ونحن نبحث.

وكل سؤال صادق هو فجر جديد لا ينتهي.

بقلم:

د. محمد شعوفي

24 مايو 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود