الاختلاف هو عين الائتلاف. ​بقلم: د. محمد شعوفي

 الاختلاف هو عين الائتلاف:


​تولد العلاقات البشرية دائماً محمّلة بآمال عريضة، غير أننا غالباً ما نقع في الفخ ذاته دون أن نشعر.

فمن أكثر المفارقات الإنسانية غرابة أن الإنسان يسعى طوال حياته إلى فهم الآخرين، لكنه كثيراً ما يبدأ رحلته من افتراضٍ خاطئ؛ وهو أنه يعرفهم سلفاً.

وكم مرة اصطدمنا بجدار لم نره، وخرجنا منه بجراح لم نفهمها؟

ولعل كثيراً من سوء الفهم والخذلان الذي يملأ الروابط الإنسانية لا يولد من سوء النية، بل من وهمٍ خفي يتسلل إلى وعينا في غفلة منا؛ إنه وهم التشابه.

​في بدايات وعيي الغضّ كنت أظن أن العالم مرآة واحدة كبرى تعكس صورتي في كل الوجوه، وأن القيم والمبادئ التي نشأت عليها هي النسيج الطبيعي الذي يفكر من خلاله الجميع دون استثناء.

لكن الحياة بمنعطفاتها القاسية كانت تمنحني كل يوم درساً جديداً في الدهشة والصدمة معاً.

فكلما خرج الآخر عن سقف توقعاتي، شعرت بالحيرة والانزعاج، وكأنه خالف اتفاقاً سرياً لم يُبرم بيننا أصلاً.

ومع مرور السنوات وتراكم الخيبات، أدركت أن أكثر ما يعكر صفو التواصل الإنساني ليس اختلاف البشر بطبيعتهم، بل اعتقادنا الخفي الملحّ بأنهم يشبهوننا أكثر مما هم عليه في الحقيقة.

​إن وهم التشابه يشبه جداراً زجاجياً شفافاً لا نراه، لكننا نصطدم به بعنف كلما حاولنا الاقتراب من روح إنسان آخر.

إنه ذلك الافتراض الصامت بأن الآخرين يدركون العالم بالعين نفسها التي نرى بها، ويشعرون بالأشياء كما نشعر، ويرتبون أولوياتهم وفق الموازين ذاتها التي نعتمدها نحن.

وفي جوهره ليس هذا الوهم إلا شكلاً رقيقاً مقنّعاً من أشكال التمركز حول الذات، حين تعجز النفس عن تخيل أن ثمة أكواناً كاملة تنبض خارج حدود تجربتها الشخصية.

​وعندما تأملت هذا الأمر مليّاً، وجدت أن القيم الإنسانية ليست نقوداً مسكوكة من معدن واحد يتداولها الجميع بالقيمة نفسها، بل هي بذور زُرعت في تربة مختلفة الثقافات، فأنبتت أشجاراً متعددة الأشكال متباينة الثمار.

فقيمة الشجاعة عند شخص قد تبدو تهوراً عند آخر.

والصراحة التي يراها إنسان فضيلة كبرى، قد يراها غيره قسوة مفرطة.

وليس في هذا التباين نقص، بل هو سر ثراء الحياة واتساعها.

فكما لا تكتمل اللوحة بلون واحد، لا يستقيم الوجود الإنساني بمنظور واحد.

​لقد جرّبت في حياتي ألم التوقعات الخائبة المرير.

كنت أريد من القريب والغريب أن يفهم إشاراتي الخفية قبل أن أنطق بها.

وأن يشعر بأحزاني قبل أن أبوح بها.

وأن يختار في مواقف الحياة كما أختار، ويحكم على الأمور كما أحكم.

وكلما أخفق الآخر في تحقيق هذه التوقعات، شعرت بخيبة أمل ثقيلة لا مبرر لها.

ثم اكتشفت لاحقاً أنني كنت أمارس نوعاً خفياً من القسوة على الآخر، حين أحمّله مسؤولية أن يكون نسخة مكررة مني، بدل أن أمنحه المساحة الكافية ليكون نفسه.

​ولم أستفق من سكرة هذا الوهم إلا عندما وقفت طويلاً وسألت نفسي:

لو كان الآخر مثلي تماماً، فأين فرصة الاكتشاف؟

وأين متعة التعلم من المختلف؟

وأين تلك النوافذ الجديدة التي يفتحها الاختلاف أمام الروح لتطل منها على العالم؟

إن التحرر من وهم التشابه يحتاج إلى شجاعة حقيقية واعتراف قاسٍ.

شجاعة أن نخلع نظاراتنا الذاتية لبعض الوقت، وأن نعترف بأن لكل إنسان قصته الخاصة التي شكّلته، وجراحه الخفية التي تدميه، ومخاوفه وأحلامه التي قد لا نراها من الخارج.

​وعندما نمتلك هذه الشجاعة، نكتشف أن التسامح ليس تنازلاً عن قناعاتنا، بل هو توسع رحب في رؤيتنا للإنسان.

ونفهم أخيراً أن كثيراً من الناس لا يقصدون إيذاءنا، بل هم ببساطة يرون العالم من نوافذ تختلف تماماً عن نوافذنا.

لقد صرت أرى الاختلاف اليوم جمالاً يُحتفى به لا عيباً يُخفى.

فكما لا يكتمل النهر إلا بتعدد روافده، لا تنضج الروح الإنسانية إلا بتعدد الخبرات وتنوع الرؤى.

ولو تشابه البشر وتطابقوا، لفقد العالم دهشته، ولذبل الإبداع في مسارِبه، ولتحولت الحياة إلى صدى مكرر لا يحمل جديداً.

​إنني لا أدعو إلى التخلي عن القناعات الشخصية أو تمييع المبادئ.

بل أدعو بكل قوة إلى منح الآخر الحق الإنساني الأصيل في أن يكون مختلفاً، كما نمنح أنفسنا الحق ذاته في أن نكون كما نحن.

ففي هذه المساحة الآمنة من الحرية المتبادلة ينشأ السلام الحقيقي ويزدهر.

سلام لا يقوم على إلغاء الآخر أو صهره، بل على الاعتراف به وتقديره.

ولا على استنساخه، بل على احترام فرادته واختلافه.

​وفي نهاية هذا التأمل، أدرك يقيناً أن وهم التشابه لم يكن سوى قيد صنعناه بأيدينا.

ظننا واهمين أن الراحة تكمن في أن نرى وجوهاً تشبهنا، بينما يكمن النمو الحقيقي في أن نلتقي بمن يختلف عنا ويثرينا.

فالآخر ليس مرآة صماء تعكس صورتنا كما هي، بل هو نافذة مشرعة تكشف لنا ما لم نكن نراه في أعماق أنفسنا.

وحين نتحرر من هذا الوهم، تتحول العلاقات من ساحات صراع إلى مساحات لقاء.

وتتحول الاختلافات من أسباب للنفور، إلى فرص ثمينة للفهم والنضج والارتقاء.

​فهل نملك اليوم الوعي لخلع قناع التطابق؟

وهل نجرؤ على قبول الآخر ككيان مستقل لا كامتداد لرغباتنا؟

إن الرحلة الحقيقية تبدأ بقبول الذات، وتكتمل حين نفتح النوافذ بجرأة ليدخل هواء الاختلاف النقي.

وهناك، في تلك المسافة الرحبة الدافئة بين الأنا والآخر، يولد المعنى الأعمق للإنسانية؛ حيث الاختلاف هو عين الائتلاف.

​بقلم:

د. محمد شعوفي

27 يونيو 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

🌠كلمات لا كالكلمات د. نوال حمود