ما لا تبتاعه الخزائن:..د. محمد شعوفي

 ما لا تبتاعه الخزائن:


في زمنٍ تزاحمت فيه الأصوات، واختُزل فيه قدر الإنسان بما يملك، وتراجعت القيم خلف واجهاتٍ برّاقة من الاستهلاك والتباهي، وجدتني أتساءل عن الميزان الخفي الذي نزن به قيمة وجودنا، وعن معنى الغنى الذي يستحق أن نمضي العمر في طلبه. 

شعرتُ بضجيج العالم يخترق مسامعي، وبأن السباق المحموم نحو الشكليات يزداد اتساعاً وشراسة، فآثرتُ أن أبتعد قليلاً، وأن أخلوَ إلى ذاتي في لحظة استراحةٍ محاربة. 

علّي أجد في هدوئها جواباً عن أسئلةٍ لم تستطع ضوضاء الحياة أن تجيب عنها. 

وقفتُ ذات يومٍ متأملاً في مرآة نفسي، وسألتها بصدق:

هل أنا غنيٌّ حقاً بما أحرزته من شهاداتٍ وأرصدة، وما جمعته من إنجازاتٍ ومظاهر نجاح؟ 

أم أن هناك ثروةً أخرى أفلتت من عدّاد الحسابات، واستقرت في أعماقٍ لا تصل إليها أعين السائلين؟ 

أيقنتُ حينها أن الثراء الحقيقي لا ينزل من علوٍّ كي نلتقطه، ولا يُقاس بما تتسع له الخزائن، بل ينبع كما ينبع الماء من صخرٍ صامت، من قرارة الروح حين تختار أن تكون سيدةً لإرادتها، لا عبدةً لما يعتقده الناس ثمناً للنجاح.

فكم من إنسانٍ يملك المال الكثير، لكنه يعيش فقيراً إلى الطمأنينة؟ 

وكم من ممتلكٍ لخزائن الأرض يعجز عن شراء لحظة صفاء، أو استعادة ساعةٍ مضت، أو إيقاف عقرب الوقت ليتذوق جمال السكون في صباحٍ هادئ؟ 

ولطالما تساءلتُ بيني وبين نفسي: 

أليس أعظم الفقر أن تمضي سنواتك وأنت تؤدي دوراً كتبه لك الآخرون، بينما قلبك يخفق في اتجاهٍ آخر، وروحك تبحث في صمتٍ عن الشاطئ الذي يشبهها؟ 

لقد أدركتُ، بعد رحلةٍ حافلة بالتجربة والتأمل، أن الحرية هي الجذر الأول للثروة التي لا تزول. 

فالإنسان الذي يملك زمام قراره، ويعرف ما يريد، ويستطيع أن يقول «نعم» حين يؤمن، وأن يقول «لا» حين ينبغي، يملك مفاتيح أبوابٍ كثيرةٍ لا تُفتح بمال الأرض. 

وفي خضم هذا السعي، اكتشفتُ أن السلام الداخلي هو أغلى ما يمكن أن يقتنيه المرء. 

فهو الملاذ الذي أفرُّ إليه حين تعجز الكلمات، والنور الذي يعيد الأشياء إلى أحجامها الحقيقية. 

وحين تمتلك هذا السلام، لا تسمح للطموح أن يتحول إلى جشع، ولا للنجاح أن يصبح سجناً جديداً. 

ومع ذلك، بقيت اللحظة الحاضرة في نظري هي رأس مالنا الوحيد الذي لا يتكرر.

هي البذرة الوحيدة التي بين يدينا الآن، والتي لا يعرف قيمتها إلا من رآها تفلت كالرمال بين الأصابع. 

كم من مرةٍ أهدرتُ ساعاتٍ ثمينة في لهفة الغد، أو حسرة الأمس؟ 

وكم مرةٍ تركتُ اللحظة التي أعيشها معلّقةً بين ما حدث وما قد يحدث، حتى اكتشفتُ أن الحياة كانت تمضي دون أن تنتظرني؟ 

لذلك، صرتُ أردد في نفسي دائماً: 

لا تؤجل فرحتك إلى موعدٍ قد لا يأتي، ولا تجعل سعادتك رهينةً لشرطٍ مؤجل. 

اجعل من كل خطوةٍ تخطوها، وكل نَفَسٍ تتنفسه، فرصةً لتكون أكثر حضوراً وامتناناً وتصالحاً مع ذاتك. 

فالامتنان الصادق للأشياء الصغيرة، لفنجان قهوةٍ دافئ، ولوجهٍ مألوف، ولكلمةٍ طيبة، هو الذي يحوّل العادي إلى استثنائي، ويمنح القلب إحساساً بالغنى لا تحتاج معه الروح إلى خزائن الأرض. 

ومن هنا، تغيّر عندي معنى النجاح جذرياً. 

لم يعد النجاح أن أمتلك أكثر، بل أن أفقد أقل مما يجعلني إنساناً. 

أن أملك وقتي دون أن أكون عبداً له، وقراري دون أن أعيش أسيراً لنظرات الآخرين.

لقد صرتُ في غنىً عن كثيرٍ مما كنتُ أظنه ضرورياً، لأن سكينتي أصبحت تنبع من داخلي، لا من تصفيق الجماهير، ولا من صور النجاح التي يفرضها العالم. 

كلما هممتُ بالسؤال عن معنى الثراء، وجدتُ الجواب يقترب مني أكثر: 

أن أكون أنا، لا الصورة التي يريدها الآخرون مني. 

وأن أعرف أن قيمتي لا تُقاس بما أملك، وإنما بما أتركه من أثرٍ طيب، وما أحمله في داخلي من سلامٍ وصدق.

فأعظم ما يمكن أن أتركه خلفي ليس رقماً في حسابٍ بنكي، ولا لقباً على ورق، بل أثرٌ طيب في قلب إنسان، وكلمةٌ أضاءت عتمةً عابرة، وموقفٌ حفظ كرامة. 

فما قيمة أن يعلو اسمي في الخارج، إن كنتُ عاجزاً عن أن أجد السكينة في الداخل؟ 

وما قيمة أن أملك الكثير، إن كنتُ لا أملك نفسي حين تغريني الحياة بما ليس لي؟

لهذا، جعلتُ من حرية الاختيار، ومن الامتنان لكل لحظة، ومن السلام الداخلي، كنوزاً أحملها معي أينما مضيت، كنوزاً لا تضيع مع الريح، ولا يستطيع لصوص الشهرة أن ينتزعوها مني.

وحين أعود اليوم إلى السؤال الذي طرحته على نفسي ذات يوم: 

هل أنا غنيٌّ حقاً؟

أجد أن الجواب لم يعد يحتاج إلى حساباتٍ ولا أرقام. 

نعم، أنا غنيٌّ حين أملك نفسي، وأحفظ سلامي، وأحسن عيش حاضري، وأترك أثراً لا يُنسى. 

ذلك هو الثراء الذي كلما أنفقتُ منه ازداد، وكلما شاركتُه مع الآخرين اتسع، والذي اكتشفتُ أخيراً أنه كان يسكن في داخلي منذ البداية.

ففي النهاية، قد تسقط الأشياء من حولنا، وتتبدل الوجوه، وتغيب الألقاب، لكن ما نبنيه في أرواحنا يظل هو الأثر الذي لا يستطيع الزمن أن يصادره. 

فهل ما لا تبتاعه الخزائن يُقاس بما نملك، أم بما نتركه خلفنا حين لا يبقى منّا سوى الأثر؟ 

بقلم:

د. محمد شعوفي

29 يوليو 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

الاعلام القذر...يوسف نعيم