مرآة الغياب:...د. محمد شعوفي
مرآة الغياب:
ثمة دروسٌ لا تمنحها الأيامُ الهادئة، ولا نتلقاها في مواسم الاكتمال.
بل تأتي على هيئة غيابٍ موجع، أو عزلةٍ ثقيلة، أو محنةٍ نسيء فهمها في البدء فنظنها انكساراً.
ثم نكتشف بعد حينٍ أنها كانت أعظم ما أعاد إلينا الحياة.
فالغياب ليس فقداناً لأشخاصٍ رحلوا فحسب، بل هو المرآة الصادقة التي تعكس حقيقة من بقوا، وحقيقة من نبقى نحن معهم.
وفي رحلة العمر الطويلة، تلك التي لا تُقاس بخطى الأقدام بل بما تختزنه القلوب من وجعٍ وحكمة، مررتُ بمنعطفاتٍ قاسية كأنها سياط القدر.
وعبرتُ ساعاتٍ حالكة لم يكن يبدو فيها للنور طريق، ولا للنجاة سبيل.
وفي تلك اللحظات التي ضاق فيها الكون بما رحب، وتكاثرت حولي العواصف حتى خُيِّل إليّ أن الحياة تتجمد في وجهي، تكشّفت أمامي حقائق ما كان لها أن تشرق في زمن الرخاء.
فالشدائد لم تكن محنةً مجردة، بل كانت غربالاً ينقّي الروح، ومحكّاً أصيلاً يكشف معادن النفوس.
كانت ناراً هادئة صقلت وجداني، فالمعادن النفيسة لا يكتمل بريقها إلا بعد أن تمر بلهيب الامتحان.
فأرَتني من بقي لأن قلبه وفيّ، ومن انصرف لأن وجوده لم يكن إلا ظلاً عابراً لا يترك أثراً حين يزول.
وحين عبرتُ وحدي أشدَّ اللحظات قسوة، وحملتُ ثقل ألمٍ لو وُزِّع على الجبال لتصدّعت، تبدّلت مقاييسي كلها.
بنيتُ جدران صمودي من رماد اليأس نفسه، وخرجتُ من عتمة التجربة بلا سندٍ إلا يقيني بربي، وثقتي بما أودعه الله في داخلي من قوةٍ لم أكن أعرفها.
وهناك أدركتُ أن القوة التي كنتُ أبحث عنها في الآخرين كانت كامنةً في أعماقي منذ البداية، لكنها كانت تنتظر لحظة الانكسار كي تعلن عن حضورها، كما ينتظر الجذر تحت التراب مطراً يوقظه من سباته.
فالإنسان حين يكتشف قدراته في عزلة الوجع، لا يعود كما كان، بل يولد من جديد؛ أكثر معرفةً بنفسه، وأكثر اتزاناً في نظرته إلى الحياة.
ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أقيس الناس بكثرة حضورهم، ولا بعدد كلماتهم، ولا بطول سنوات معرفتي بهم.
أصبحتُ أؤمن أن القيمة لا تُقاس بالكم، وأن القرب لا يُحدَّد بالمسافة، وأن الوجود لا يكون ذا معنى إلا إذا كان صادقاً، ومخلصاً، ومواسياً عند الحاجة.
وكأنني كنتُ أسير في غابةٍ كثيفة، فلما انقشع الغبار، رأيتُ أن كثيراً من الأشجار التي ظننتها سنداً لم تكن سوى ظلالٍ زائلة، بينما كانت شجرةٌ واحدة، ضاربةٌ جذورها في الصدق، تكفيني لأستظل بها.
ولم أعد أبحث عن ملء فراغات حياتي بأي حضورٍ عابر، ولا أقبل في عالمي إلا من يستحق أن يكون جزءاً منه بصدقٍ ووفاء.
فالحياة ليست ساحةً لاستعراض كثرة المعارف، بل حديقةٌ لا تُزهر إلا بالقلوب الطيبة، ولا يبقى فيها إلا ما ترك أثراً صادقاً في التربة لا في السطح.
والذين تركوني في ساعات العسر، لم يكونوا أهلاً لمشاركتي أفراح اليسر؛ لأن الوفاء لا يتبدل بتبدل الظروف، كما أن الشجرة الطيبة لا تغيّر ثمرها بتغيّر الفصول.
ومع ذلك، لم تدفعني التجربة إلى الانعزال القاسي، ولم تجعلني أرفض البشر أو أستغني عن نبل التواصل.
بل علّمتني أن احترام الذات لا يتعارض مع محبة الآخرين، وأن حسن الاختيار هو أسمى صور المحبة.
فلا أفتح أبواب قلبي إلا لمن يعرف قيمة البقاء، ويظل حاضراً في السراء والضراء، لا تغيّره المصالح، ولا تبدّله الأيام.
وبعد أن عبرتُ العاصفة وحدي، لم أعد أبحث عمن ينقذني، بل أصبحتُ أختار، بملء إرادتي وهدوء بصيرتي، من يستحق أن يرافقني في بقية الطريق.
أصبحتُ سيد قراري، وحارس عالمي الداخلي، لا أسمح بالدخول إليه إلا لمن يحمل وفاءً لا تنتهي صلاحيته، وصدقاً لا يتزحزح.
ومنذ ذلك الحين، لم أعد أخشى الغياب كما كنت أخشاه من قبل.
فالغياب لم يعد بالنسبة إليّ فراغاً، بل مساحةً تتكلم فيها الحقيقة بصوتٍ لا يعلوه ضجيج المجاملات.
وكلما اتسعت تلك المساحة، ازددتُ معرفةً بنفسي، وامتناناً لمن بقي؛ لأن بقاءه كان اختياراً للوفاء، لا عادةً من عادات القرب.
وقد علّمتني الوحدة أن الشدائد التي نعبرها وحدنا هي التي تصقل أرواحنا، وتعرّفنا بأنفسنا، وتحرّرنا من التعلق بمن لا يقدّر قيمتنا.
فالتحرر من التعلق ليس قسوةً ولا لامبالاة، بل هو ثمرة نضجٍ لا ينضج إلا بعد تجارب موجعة، تماماً كما تترك الجراح ندوباً لا تؤلم، لكنها تظل أثراً يذكّرنا بما تعلّمناه.
إن من يخوض غمار الحياة بلا رفيقٍ يتكئ عليه، يكتشف أن الوحدة ليست فراغاً يملؤه الآخرون، بل وعاءٌ يملؤه الإنسان بحضوره الحقيقي، ورضاه عن نفسه، وسلامه الداخلي.
فالغاية ليست أن نملأ أيامنا بكل من مرَّ بها، بل أن نحفظ فيها من يستحق أن يكون سنداً إذا اشتدت الرياح، ورفيقاً حين تغيب المصالح وتتكلم المواقف.
وكلما تقدّم بنا العمر، ازددنا يقيناً بأن الصدق لا يُمنح هديةً عابرة، بل يُستحق تاجاً يُتوَّج به من أثبت وفاءه في زمن الشدة قبل زمن الفرح.
وفي نهاية المطاف، أدركتُ أن مرآة الغياب لم تأتِ لتكسرني، بل لتصفّي بصيرتي، وتعيد ترتيب الوجوه في أماكنها الحقيقية.
فالذين غابوا في العتمة لم يأخذوا معهم شيئاً مني، وإنما أخذوا الوهم الذي كنتُ أحمله عنهم.
أما الذين بقوا، فقد بقوا لأنهم كانوا جزءاً من الحقيقة، لا من المصادفة، وتركوا في داخلي أثراً لا تمحوه سنة ولا يبدده غياب.
وهكذا أيقنتُ أن أجمل ما تهدينا إياه الحياة ليس كثرة الرفاق، بل صفاء البصيرة في انتقائهم.
فما أعظم الغياب حين يتحول إلى مرآةٍ تكشف الحقيقة؟
وما أجمل العزلة حين توقظ فينا القدرة على اختيار من يستحق مرافقتنا في رحلة العمر؟
فهل يكون الأثر الحقيقي إلا ما تبقّى في القلب حين يغيب كل شيء سواه؟
بقلم:
د. محمد شعوفي
27 يوليو 2026م
تعليقات
إرسال تعليق