البصيرة...د. محمد شعوفي

 البصيرة 


كالضوءِ الذي ينفذُ إلى ما وراء الأشياء دون أن يُغيّر شكلها.

أبدأ تأملي هذا وأنا أسير بين الناس، فأرى أن الكلمات تتكرر، لكن القراءات تختلف، وأن الوجوه تتشابه، بينما تختلف البصائر التي تنفذ إلى أعماقها. 

ومن هنا أيقنت أن الحياة بأسرها نصٌّ مفتوح، والإنسان هو أعقد فصوله، وأغنى معانيه. 

ولم أقصد بقراءة الحروف هنا ما تُسطره الكتب وحدها، بل قصدت كل ما ينطق به الإنسان، أو يكتبه بقلمه، أو يبوح به صمته، أو تفضحه عيناه، أو تكشفه ملامحه وتصرفاته. 

فالسير بين الناس هو المدرسة الحقيقية لهذه القراءة، والعلاقة بهم هي الميدان الذي يُختبر فيه صدق الفهم وعمق البصيرة. 

وألاحظ يومًا بعد يوم أن الناس يتفاوتون في تلقي الكلمات، وتفسير المواقف، وفهم المقاصد. 

فمنهم من يقرأ الحروف كما هي، فيحفظ الألفاظ، ويقف عند ظاهر العبارات، ويظن أنه أدرك الحقيقة كاملة. 

ولا أنكر قيمة هذه القراءة، لكنها تظل قراءة سطحيّة تقف عند حدود الظاهر، ولا تتجاسر على العبور إلى ما وراءه من دوافع ومشاعر وسياقات.

ومنهم من يأسره اللفظ، فيغفل عن المقصد، ويشغله الشكل عن الجوهر، فيحكم قبل أن يفهم، ويُفسر قبل أن يتأمل. 

أما أهل البصيرة، فشأنهم عندي مختلف. 

إنهم لا يكتفون بقراءة الكلمات، بل يحاولون أن يقرأوا روح الإنسان ذاته.

ينصتون إلى الصمت كما ينصتون إلى الكلام. 

ويلتفتون إلى ما غاب كما يتأملون فيما حضر. 

ويبحثون عن الدافع قبل الحكم، وعن المقصد قبل إصدار الرأي. 

ومع ذلك، فهم لا يدّعون معرفة خفايا النفوس، لأن علم السرائر لله وحده. 

وإنما يسترشدون بالقرائن، ويتحلون بحسن الظن، ويتركون دائمًا مساحةً للمراجعة إذا ظهر لهم ما يخالف ظنونهم. 

ولذلك أتعلم منهم أن البصيرة ليست سرعةً في الفهم، بل حكمةٌ في التروي. 

وليست مهارةً عقليةً فحسب، بل صفاء قلب، واتساع صدر، ورحمةٌ بالخلق. 

فالنفاذ إلى جوهر الإنسان قد يكشف لي جراحًا مستترة، أو خوفًا متخفيًا خلف القسوة، أو ضعفًا يختبئ وراء مظهر القوة. 

ومن امتلك هذه البصيرة، أضحى مسؤولًا عن حسن استخدامها. 

فلا يجعلها وسيلةً لفضح الناس، ولا أداةً للتسلط عليهم، بل يجعلها بابًا إلى الرفق، وجسرًا إلى الرحمة، وسببًا في حسن الفهم. 

وأرى أن أثر هذه البصيرة يمتد إلى جميع علاقاتي الإنسانية. 

فمن يكتفي بظاهر الأقوال قد يسيء الفهم، ويبني علاقةً واهيةً على تفسيرٍ ناقص. 

أما من ينفذ إلى الجوهر، فإنه يدرك أن لكل كلمة سياقًا، ولكل موقف ظروفًا، ولكل إنسان قصةً لا تظهر لأول وهلة. 

فتكون علاقاته أكثر رسوخًا، وأقرب إلى الإنصاف، وأبعد عن التسرع في الأحكام.

وأذكر نفسي دائمًا بأن البصيرة لا تعني العصمة. 

فقد أخطئ في فهم الآخرين كما قد يخطئون في فهمي. ولهذا أحاول أن أراجع قراءتي، وألا أجعل ظني حقيقةً نهائية، وأن أترك للناس حق تفسير أنفسهم قبل أن أُصدر عليهم أحكامي. 

وفي ختام هذا التأمل، أقول لنفسي قبل أن أقوله لغيري: 

إن بعض الناس يقرؤون الألفاظ، أما أنا فأسعى إلى قراءة روح المقام، وحاجة النفس، وصدق المقصد. 

فكيف أفهم الإنسان إن اكتفيت بظاهر قوله؟ 

وكيف أبلغ حقيقة المعنى إن توقفت عند حدود الحروف؟ 

لقد عاهدت نفسي ألا أقصر نظري على تلاوة الكلمات، بل أن أجعل لي قلبًا يُحسن الإصغاء، وعينًا تُبصر ما تخفيه المواقف، وعقلًا يتأنى قبل أن يحكم. 

فأنا على يقين أن الكلمات يطويها الزمن، أما المعاني الصادقة التي تقف وراءها، فهي التي تبقى، وتُنير دربي، وتُعينني على فهم الناس، وبناء علاقاتٍ قوامها الرحمة، والوعي، وحسن الإدراك.

وهكذا، بين ظاهر الحرف وعمق المعنى، تتجلى لي حكمة الحياة. 

أفليست البصيرة، في نهاية الأمر، أن أرى الإنسان كما هو، لا كما تظهره كلماته وحدها؟ بقلم:

د. محمد شعوفي

05 أغسطس 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

الاعلام القذر...يوسف نعيم