القسطاس...د. محمد شعوفي

 القسطاس


لكل كفّةٍ ميلٌ لا تشعر به وهي تظن نفسها معتدلة. 

وكذلك قلب الإنسان. 

يزن الأشياء بميزانٍ يحسبه مستقيمًا، وهو لا يدري أن يده هي التي تُثقل إحدى الكفّتين.

منذ أن أدركت هذه الحقيقة، لم تفارق عبارة ميزان الحق وجداني. 

وكلما تقدمت بي الأيام، ازددت يقينًا بأن أعظم معركةٍ أخوضها ليست مع الآخرين، بل في أعماق نفسي. 

وأن أخطر الأحكام ليست تلك التي أصدرها على الناس، وإنما تلك التي أسقطها على ذاتي دون مراجعة أو تمحيص. 

ما أكثر ما ينشغل الإنسان بوزن غيره، حتى ينسى أن الميزان الذي يحمله بين يديه أحوج إلى التقويم من كل حكمٍ يطلقه. 

بدأت أتعلم أن العدالة لا تبدأ في ساحات القضاء، ولا في ميادين الخصومة، بل تبدأ في خبايا النفس. 

وأن أول قسطاسٍ ينبغي أن يستقيم هو ذلك الذي أحمله بين ضلوعي. 

أيقنت أن لكل إنسان ميزانًا داخليًا يزن به الأمور، ويقوّم به المواقف، ويقرأ به النفوس، ويرسم من خلاله أحكامه على الحياة والناس. 

وذلك الميزان لا يستقيم في داخلي إلا بصفاء السريرة، واستقامة الفكر، وصدق النية، واتباع الحق وإن خالف هواي.

غير أن أعجب ما أواجهه في نفسي، وأشد ما أخشاه، أن يختل هذا الميزان وأنا أظن أنني أعدل الناس وأبصرهم.

فإذا فسد المعيار في قلبي، وتمكن الزيغ من بصيرتي، رأيت الجور عدلًا، والضلال هدى، والانحراف استقامة.

وحينها تغشى الأهواء بصيرتي، وتستبد الذاتية بحكمي، فلا أرى خطئي خطأً إذا صدر مني، ولا أعترف بالحق إذا جاء على لسان غيري. 

وقد ألحظ على نفسي بوادر هذا الخلل، فأغضب إذا نُصحت. 

وأضيق صدرًا إذا خالفني أحد.

وأبرر زلاتي، بينما أُضيق واسعًا على غيري. 

وألتمس لنفسي الأعذار، ثم أبخل بها على الناس. 

وهنا يكمن الخطر الأكبر. 

ليس لأنني أخطئ، فالخطأ من طبيعة البشر، وإنما لأنني أستمر في تبرير الخطأ حتى أراه صوابًا، وأزين لنفسي الانحراف حتى أتوهم أنه استقامة. 

ولعل أخطر ما في هذا الخلل أنه لا يأتي صارخًا، بل يتسلل إلى النفس في ثوب القناعة، حتى أتوهم أنني أنصف وأنا في الحقيقة أبرر. 

وحين تبلغ النفس هذه المرحلة، تصبح المراجعة أصعب؛ لأن الخصم والقاضي والشاهد يصيرون شخصًا واحدًا. 

ولا يقف أثر هذا الخلل عند حدود نفسي، فإن فساد ميزاني الداخلي يجر على الآخرين ظلمًا عظيمًا. 

لأن من يزن الناس بمكيالٍ مائل، يظلمهم قبل أن يظلم نفسه، ويزيف الحقوق وهو يظن أنه يؤدي الأمانات.

ولذلك أدركت أن أول واجبٍ علي، وأعظم مسؤولية أحملها، أن أراجع ميزاني قبل أن أزن به غيري. 

وألا أجعل من رأيي حكمًا نهائيًا، ولا من قناعتي حقيقةً مطلقة. 

ولن أستقيم إلا إذا جعلت من النقد مرآتي. 

ومن المخالفة دوائي. 

ومن الاعتراف بالخطأ قوةً لا ضعفًا. 

فأستمع إلى من يخالفني لألتمس الحق في كلامه، لا لأدحضه دفاعًا عن نفسي.

وأصبحت أوقن أن أكثر الناس حاجة إلى إنصافي ليس خصمي، بل أنا. 

لأن إنصافي لنفسي يبدأ حين أعترف بخطئي قبل أن أطالب غيري بالاعتراف بخطئه.

فالعدل لا يكون بميل الهوى.

ولا بغلبة الرغبة. 

ولا بكثرة المؤيدين. 

ولا بارتفاع الصوت. 

بل يكون حين أرى الحق فأتبعه، وأرى الباطل فأجتنبه، وأقيم القسطاس على العدل، وإن كان الحكم على نفسي أو على من أحب. 

وكلما ازددت علمًا، ازددت يقينًا بأن سلامة الإنسان لا تُقاس بكثرة صواب أحكامه، بل بقدرته على مراجعتها كلما ظهر له الحق. 

فالثبات على الخطأ ليس قوة. 

والرجوع إلى الصواب ليس ضعفًا. 

بل إن الشجاعة الحقيقية هي أن أغير حكمي إذا تغير دليله، وأن أقدم الحقيقة على انتصار رأيي. 

وأيقنت أن العودة إلى الله وحده هي التي تصلح ما فسد في نفسي، وتقوّم ما اعوج في ميزاني، وتعيد بصيرتي إلى قسطاسها المستقيم الذي لا يميل. 

فإذا أصلحت ميزاني في قلبي، استقامت أقوالي وأفعالي، واعتدلت أحكامي ومواقفي، واستنار دربي وإن تكاثفت ظلمات الطريق. 

أما إذا فسد ميزاني وظننت أنني أعدل، فما أضررت إلا نفسي، وما ازددت إلا بعدًا عن الحق. 

فلأقف إذن أمام نفسي وقفة المراجعة الصادقة، ولأسألها في خشوع: 

أين ميزاني؟ 

أهو قائم أم مقلوب؟ 

أمستقيم هو أم معوج؟ 

أمعتدل بالحق أم مائل مع الهوى؟ 

وهل أحاكم نفسي كما أحاكم غيري؟ 

وهل أقبل من نفسي ما أرفضه من الناس؟ 

فإن استقام الميزان، فذلك فضل الله وكرمه. 

وإن انحرف، فباب العودة إليه لا يُغلق، ورحمته أوسع من تقصيري. 

فالحق وحده هو الميزان الذي لا يزيف. 

والعدل وحده هو القسطاس الذي لا يختل. 

والإنصاف وحده هو الضمير الذي لا ينام. 

وعندها فقط أدرك أن أعظم انتصار لا يكون حين يغلب رأيي آراء الآخرين، بل حين يغلب الحق هوى نفسي. 

فهل أملك الشجاعة أن أزن نفسي كما أزن الناس، أم سأظل أعدّل الكفّة كلما مالت لصالحي؟ 

بقلم:

د. محمد شعوفي 

03 أغسطس 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

الاعلام القذر...يوسف نعيم