انتصار الاعتذار...د. محمد شعوفي

 انتصار الاعتذار


 في خضمِّ حياةٍ تموجُ بالادعاءات، وتكثرُ فيها دعوى الصواب، وتتزاحمُ فيها الأصواتُ التي تريدُ أن تثبتَ حقَّها قبلَ أن تبحثَ عن الحقيقة، جلستُ ذاتَ يومٍ أراجعُ ذاتي. 

لم أكن أبحثُ هذه المرّة عن خطأٍ في الآخرين، ولا عن حجّةٍ جديدةٍ أنتصرُ بها في جدال، بل كنتُ أبحثُ عن شيءٍ أكثرَ صعوبةً: 

عن حقيقتي ، حين تسقطُ عن النفسِ كلُّ مبرراتها، تاركةً أثرًا لا يُخفيه لاحقًا أيّ تبرير.

متى كانت آخرُ مرّةٍ وقفتُ فيها أمامَ مرآةِ روحي، لا أبحثُ عن تبريرٍ، بل عن حقيقةٍ عارية؟

من هنا بدأتُ أكتبُ هذه السطور، لأستحضرَ رحلةً طويلةً من الصراعِ مع النفس، رحلةً لم يكن فيها الحقُّ دائمًا سهلَ المنال، ولا الاعترافُ بالخطأِ أمرًا يسيرًا طالما ظننتُ أنَّ أعظمَ انتصارٍ أُحرزُهُ في حياتي هو أن أكونَ على الحقِّ دائمًا، وأنَّ صوابي هو برهاني، وثباتي على موقفي هو رأسُ مالي.

 كم مرَّ بي من موقفٍ كنتُ أتمسَّكُ فيه برأيي، وأقاومُ الحقيقةَ خوفًا من أن يُقالَ لي: لقد أخطأت؟ 

كنتُ أظنُّ أنَّ التنازلَ عن موقفي هو انهزامٌ لذاتي، وأنَّ الاعترافَ بالزلةِ يُنقصُ من قيمتي، ولم أكن أعلمُ أنَّ العكسَ هو الحقيقةُ التي تُهذِّبُ النفسَ وتحرِّرُها من أثقالِ الكبرياء .

لقد أدركتُ أنَّ الشجاعةَ الحقيقيةَ لا تُقاسُ بقدرتي على الانتصارِ في الجدال، ولا بقدرتي على إسكاتِ الآخرين، بل بقدرتي على أن أقولَ بصدقٍ ودونَ مواربة: 

«لقد أخطأتُ، وأعتذر» 

فأن أكونَ على الحقِّ قد يكونُ أمرًا يسيرًا حين تؤيِّدُني الظروف، أو حين تكونُ الحقيقةُ في صفي.

 أمَّا أن أُدركَ أنني كنتُ على خطأ، ثم أجتازَ حاجزَ الكبرياءِ والخوفِ من أن يبدو اعترافي نقصًا في قدري، فأقولَ بملءِ فمي: 

«أعتذر»، 

فذلكَ ما لا يقدرُ عليهِ إلا مَن امتلكَ من الشجاعةِ ما يجعلهُ أقوى من نفسِه.

 وحين استطعتُ أن أفعلَ ذلك، شعرتُ بسكينةٍ لم أعهدها من قبل، أشبهَ بماءٍ هادئ يغسل عن الروح غبار مكابرتها.

 أدركتُ أنَّ الاعتذارَ لا يُمزِّقُ كبرياءَ الإنسان، بل يُلحمُ جراحَه، ويعيدُ إلى الروحِ اتزانَها.

إنَّ الاعتذارَ الصادقَ ليس مجرَّدَ كلمةٍ أقولُها لإسكاتِ اللوم، بل هو مرآةٌ أنقِّي بها وجهي قبلَ أن أواجهَ الحقيقة، وهو الخطوةُ الأولى التي أقطعُها نحوَ الصواب. 

فمن لا يعتذرُ حين يخطئ، كأنَّهُ يُصرُّ على السيرِ في طريقٍ لا يُفضي إلا إلى مزيدٍ من التيه. 

علمتُ أنَّ الحقَّ لا يحتاجُ إلى كبرياءٍ ليَثبت، بل يحتاجُ إلى تواضعٍ ليظهر، كجذرٍ لا يعلو إلا حين ينحني أولًا نحو التربة وأنَّ أسمى درجاتِ الصوابِ ليست في ألا أُخطئَ أبدًا، فهذا شأنٌ لا يملكهُ بشر، بل في أن أكونَ أجرأَ على الاعترافِ بالزلةِ منّي على التمادي فيها. ومنذُ عرفتُ هذا السرَّ، تغيَّرَ مقياسي للقوةِ والصواب؛ فلم أعدْ أعدُّ نفسي رابحًا كلَّما انتصرتُ في جدال، بل صرتُ أعدُّ نفسي أقوى كلَّما استطعتُ أن أقولَ «أعتذر» بصدقٍ واطمئنان وأدركتُ كذلك أنَّ الاعتذارَ ليس فعلًا فرديًّا فحسب، بل هو جسرٌ أُعيدُ به بناءَ الثقةِ مع الآخرين، ووعدٌ صامتٌ بألا أُحوِّلَه إلى عادةٍ تُقالُ باللسانِ بينما يبقى السلوكُ أسيرَ أخطائه. فالاعتذارُ دونَ تغييرٍ تحوُّلٌ إلى استهانةٍ بالعقول، أمَّا الاعتذارُ الذي يتبعهُ سلوكٌ مغاير، فهو وحدَهُ التصحيحُ الحقيقيُّ للخطأ، والأثرُ الباقي الذي يشهدُ لصدقِ الكلمة بعد أن تصمتَ الألسن. 

لقد تعلَّمتُ أنَّ الاعترافَ بالخطأِ ليس نهايةَ الطريق، بل بدايتُه الحقيقية، وأنَّ من يعتذرُ لا يفقدُ مكانتَه، بل يكشفُ عن إنسانيته. 

فالإنسانُ لا يُقاسُ بألا يسقط، وإنما بقدرتهِ على النهوضِ ورؤيةِ خطئهِ وتصحيحِ أثرِه. 

وحين أعتذرُ بصدق، لا أضعُ نفسي في موضعِ الضعف، بل أتحرَّرُ من أوهامِ التبرير، وأستعيدُ ثقتي بنفسي و بطريقي. 

وهكذا فهمتُ أنَّ الاعتذارَ ليس تراجعًا عن الكرامة، بل عودةٌ إلى ما هو أعمقُ منها، وليس هزيمةً أمامَ الآخرين، بل انتصارٌ على ذلك الجزءِ من النفسِ الذي يريدُ دائمًا أن يكونَ على حق، حتى حين لا يكون. 

حينها فقط، لا أبحثُ عن الحقِّ لأنتصرَ بهِ على غيري، بل أبحثُ عنهُ لأنتصرَ بهِ على نفسي. 

فأيُّ أثرٍ أعمقَ قد أتركه في هذا العالم من صدقٍ يعترف بخطئه، حين يكون الاعتراف وحده كفيلًا بأن يجعلني جزءًا من الطريق إلى الحقيقة لا خصمًا لها؟

د محمد شعوفي 

23 أغسطس 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

الاعلام القذر...يوسف نعيم