دين في رقبة الزمن..بقلم الشاعر كمال الدين حسين القاضي
دين في رقبة الزمن
فِي ذَاتِ يَوْمٍ، خَرَجَ الأَبُ مَعَ ابْنِهِ الكَبِيرِ مُبَكِّراً.
كَانَتِ الشَّمْسُ تُرْسِلُ أَشِعَّتَهَا الذَّهَبِيَّةَ إِلَى الأَرْضِ، وَقَدْ قَصَدَا حَقْلَهُمَا لِإِعْدَادِهِ وَتَمْهِيدِهِ لِلزِّرَاعَةِ.
وَكَانَ حَرْثُ الأَرْضِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ يَتِمُّ بِمِحْرَاثٍ خَشَبِيٍّ تَجُرُّهُ الأَبْقَارُ.
وَصَلَا إِلَى الحَقْلِ، فَقَامَ الابْنُ بِنَثْرِ البُذُورِ، ثُمَّ بَدَأَ يَحْرُثُ التُّرْبَةَ بِالمِحْرَاثِ اليَدَوِيِّ.
وَلَمْ تَمْضِ بُرْهَةٌ مِنَ الزَّمَنِ، حَتَّى وَجَدَ الأَبَ مُسْتَغْرِقاً فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ.
وَكُلَّمَا كَادَ المِحْرَاثُ يَقْتَرِبُ مِنْ مَكَانِ نَوْمِ وَالِدِهِ، انْتَقَلَ الابْنُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ.
وَعِنْدَمَا انْتَهَى مِنَ العَمَلِ، لَمْ يَبْقَ إِلَّا المَسَاحَةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي كَانَ وَالِدُهُ نَائِماً فِيهَا.
فَأَوْقَفَ المِحْرَاثَ وَجَلَسَ يَنْتَظِرُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ أَبُوهُ.
وَبَعْدَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ سَاعَةٍ، اسْتَيْقَظَ الأَبُ فَوَجَدَ أَنَّ ابْنَهُ قَدْ أَنْهَى الحَرْثَ كُلَّهُ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَوْضِعُ نَوْمِهِ.
فَقَالَ الأَبُ مُتَعَجِّباً: "يَا بُنَيَّ، لِمَاذَا لَمْ تُوقِظْنِي مِنْ نَوْمِي حَتَّى تُتِمَّ حَرْثَ الأَرْضِ؟"
فَأَجَابَ الابْنُ بِأَدَبٍ: "يَا أَبِي، أَنْتَ لَمْ تَذُقْ طَعْمَ النَّوْمِ مُنْذُ صَلَاةِ الفَجْرِ، فَأَشْفَقْتُ عَلَيْكَ وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكَ".
فَتَبَسَّمَ الأَبُ وَقَالَ: "يَا بُنَيَّ، مَا فَعَلْتَهُ مَعِي اليَوْمَ، قَدْ فَعَلَتهُ مع أَبِي مِنْ قَبْلُ بِكُلِّ تَفَاصِيلِهِ".
ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِ ابْنِهِ وَقَالَ:
"اعْلَمْ يَا بُنَيَّ... مَا تَزْرَعُهُ اليَوْمَ سَتَحْصُدُهُ غَداً. إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرّاً فَشَرٌّ"
بقلم كمال الدين حسين القاضي
تعليقات
إرسال تعليق