على سفينة نوح ..الشاعر أ.د. جلال أحمد المقطري
على سفينة نوح
أتى من الدهر حينٌ، قطُّ ما كانا
وآذَنَتْ ساعةٌ، ميقاتها حانا
ولاح في الأفق نجمٌ، ثائرٌ، نَزِقٌ
يراود الشعبَ، إنساناً فإنسانا
ويضرم الشوق في وجدان أُمّته
فتستحيل براكيناً، ونيرانا
وتستحيل جحيماً، من لظىً، وهدىً
وتستحيل أعاصيراً، وطوفانا
وقاذفاتٍ، تذيب الصخرَ زجرتُها
وصاعقاتٍ، تحيل الأرض قيعانا
تزلزل الكون، تطوي الكائنات كما
تطوي السجلّاتُ أحقاباً وأزمانا
تحيل كل جدارٍ مائلٍ عدماً
وتقلب الراسيات الشّمّ كثبانا
فتستحيل مغاراتٍ تزمجر من
فوهاتها، نفخةٌ ميعادها الآنا
تفجّر الصمت، تجتث السكون فلا
تُبقِ سكوناً، ولا تستبقِ سَكّانا
تهد، لكن لكي تبني، وتبدع من
جحيمها، عالماً حرّاً وأوطانا
لأنها من رياح الغيب هبّتها
ستسكب الغيث، مغداقاً وهتّانا
ويغدق الدهر من إغداقها دولاً
رشيدةً، وسلاطيناً وتيجانا
ويصبح المُلْك للحق الذي ركَعَت
له الملوك، وقالت: أنتَ مولانا
يا نفخة الصور! صوري صانه قلمي
وصورك الصادق الموعود، ما صانا!
أهرقتُ كل مدادي كي أنَطّقه
ورحتُ أسقيه، شريانا فشريانا
وأسكب الآه في وجدانه فأبى
إلا صدوداً، وإعراضاً، وعصيانا
لعله غارقٌ مثلي بغُصّته
والصمت يغني عن التصريح أحيانا!
والشمس لولا أفول البدر ما طلعَت
والبدر لولا أفول الشمس ما كانا
ياليل، أين رفاقي؟ ها هنا سكنوا!
وها هنا خلّفوا دوراً وعمرانا
أين القبور اللواتي كنّ جاثمةً
عظامها ها هنا، أو كنّ جثمانا
وأين داري التي كانت تدثّرُني
وأين مِنّي شعابٌ، صرن وديانا
وأين هم من صحبناهم، على ثقةٍ
فضيعونا، وما أبقوا لنا شأنا
وأشرقَتْ شمس نصف الليل، وأنطفأَت
كل الشموس، وصار الكون نشوانا
وراح كل جميل من ضفائرها
يحسو، ويلبس أثواباً وقمصانا
ويرتدي حُللاً، من سحر هالتها
فيشرق السّحرُ، من حوليه فتّانا
يا أرض، غيضي، ويا موؤودة اتئدي
ويا سماء، امطري برْداً وغفرانا
وكفّري عن خطايا كل ذي خطأٍ
وأقلعي، واصفحي، فالصبح وافانا
أ.د. جلال أحمد المقطري
تعليقات
إرسال تعليق