سُموّ الفِطرة..د. محمد شعوفي

 سُموّ الفِطرة


 في صمتِ الخلواتِ، حين تخفتُ أصواتُ العالمِ، وتتراجعُ ضوضاءُ الخارجِ، وتنزاحُ عن الروحِ بعضُ حُجُبِ الزيفِ، أقفُ وحدي أمامَ مرآةِ نفسي، لا لأحاسبَ الآخرينَ، بل لأراجعَ بصدقٍ حصيلةَ ما قدّمتُ، وما الذي كنتُ أرجوه في أعماقي من وراءِ ذلك العطاءِ. 

ولأطرحَ على نفسي سؤالاً لا مجاملةَ فيه: 

هل كان عطائي خالصاً لوجهِ الخيرِ والجمالِ، أم كنتُ أرقبُ في خفاءٍ ردَّ الفعلِ، وأنتظرُ كلمةَ شكرٍ، أو ابتسامةَ امتنانٍ، أو إشارةً تُشعرني بأنّ ما فعلتُه قد وصلَ إلى قلبِ من قصدتُه؟ 

أكتبُ هذه الكلماتِ وأنا أُمسكُ بنورِ اليقينِ، لا لأدّعي بلوغَ الكمالِ، بل لأُحرّرَ قلبي من أوهامِ المقابلةِ، وأُذكّرَ نفسي قبلَ غيري بأنّ العطاءَ الحقيقيَّ ليس صفقةً تُبرَمُ مع الناسِ، ولا ديناً يُنتظرُ سداده، ولا معروفاً يُستردُّ بالامتنانِ. 

فكلّما كان العطاءُ مشروطاً بما سيعودُ إليَّ، تحوّلَ في خفاءٍ من فضيلةٍ إلى انتظارٍ، ومن رحمةٍ إلى حسابٍ لا أشعرُ به إلا حين يتأخرُ المقابلُ أو يغيبُ. 

نعم، لن أنكرَ أنّني ضعفتُ يوماً. انتظرتُ كلمةَ شكرٍ لم تأتِ، وراقبتُ بابَ الردِّ طويلاً فلم يُطرَقْ، وتساءلتُ في صمتٍ: 

هل وصلَ ما قدّمتُ، أم ضاعَ في زحامِ الأيامِ؟ 

وشعرتُ بمرارةٍ خفيّةٍ تتسلّلُ إلى صدري، كأنّ عطاءَ الإنسانِ لا يكتملُ إلا بصدىً يعودُ إليه. 

لكنّني عدتُ إلى نفسي، وقلتُ لها: 

لو كان النبعُ ينتظرُ شكراً من كلّ شفةٍ ترتوي منه، لجفَّ منذُ زمنٍ بعيدٍ. 

ولو كانت الشمسُ تنتظرُ من كلِّ عينٍ أن تعترفَ بفضلِ ضيائها، لما أشرقتْ كلَّ صباحٍ. 

فالنبعُ لا يتوقّفُ عن العذوبةِ لأنّ شفةً لم ترتوِ منه، والغيثُ لا يحبسُ قطراتِه لأنّ أرضاً قاحلةً لم تُنبتْ بذورَه. 

والشمسُ لا تحجبُ ضياءَها عن عينٍ أغمضتْ جفنَها عن بهائها، ولا تُطفئُ نورَها لأنّ أحداً لم يرفعْ رأسَه ليراها. 

عندها مسحتُ عن قلبي غبارَ الانتظارِ، وأدركتُ أنّ بعضَ الخيباتِ لا تأتي لتُعلّمني التراجعَ عن الخيرِ، بل لتُعلّمني كيف أُحسنُ السيرَ نحو الرُّشْدِ دونَ أن أُعلّقَ روحي على نتائجِ العطاءِ. 

ومنذُ ذلك الحينِ، بدأتُ أتحرّرُ شيئاً فشيئاً من قيدِ الترقّبِ. 

فلا أُعلّقُ قلبي على ردودٍ قد لا تأتي، ولا أربطُ عطائي بوفاءٍ قد يغفلُه البعضُ، ولا أجعلُ تقديرَ الآخرين معياراً لقيمةِ ما أقدّمُ. 

لقد فهمتُ أنّ قيمةَ العطاءِ تكمنُ أولاً في صفاءِ النيّةِ وصدقِ القصدِ، لا في مقدارِ الصدى الذي يعودُ إليَّ. 

فالعملُ النبيلُ لا يفقدُ نُبله لأنّ أحداً لم يصفّقْ له، والكلمةُ الطيّبةُ لا تفقدُ طيبتَها لأنّ أذناً مرّتْ عنها دونَ انتباهٍ. 

وأدركتُ، بعد طولِ تأمّلٍ، أنّ العطاءَ في جوهرِه نبعٌ يتفجّرُ من أعماقِ الكينونةِ، لا يطلبُ إذناً من أحدٍ، ولا ينتظرُ من يملأُ كفَّه منه. 

إنّه يفيضُ طوعاً واختياراً، لأنّ الفيضَ طبيعته، ولأنّ الخيرَ حين يستقرُّ في القلبِ لا يحتاجُ دائماً إلى شاهدٍ يُصفّقُ له، ولا إلى صوتٍ يُعلنُ قيمتَه. 

وأدركتُ أيضاً أنّ للقلوبِ طرائقَ مختلفةً في تلقّي المعروفِ. 

فمنها ما يصونُ الجميلَ ويحتفظُ به في أعماقه، ومنها ما يمرُّ عليه مرورَ الكرامِ، ومنها ما يغفلُ عنه تحتَ وطأةِ الانشغالِ أو قسوةِ الظروفِ، ومنها ما لا يعرفُ كيف يُعبّرُ عمّا يشعرُ به. 

وهذا كلُّه لا ينبغي أن يُغيّرَ من حقيقتي، ولا أن يجعلني أندمُ على خيرٍ خرجَ منّي بصدقٍ، فالنقاءُ يقينٌ، والأصلُ في التعاملِ هو الثقةُ لا الوثيقةُ. 

فالذهبُ لا يفقدُ قيمتَه لأنّ من حولَه لا يعرفون مقدارَه، والنورُ لا ينطفئُ لأنّ عيناً لم تُبصرْه. 

وكذلك عاهدتُ نفسي ألّا أسمحَ لجحودٍ أن يُطفئَ نوري، ولا لخيبةٍ أن تُوقِفَ جريانَ نبعي، ولا لموقفٍ عابرٍ أن يُعيدَ تشكيلَ أخلاقي. 

لن أُبدّلَ عطائي بمنعٍ، ولا رحمتي بقسوةٍ، ولن أجعلَ مواقفَ الناسِ ميزاناً لخلقي. 

سأحاولُ أن أبقى نبعاً صافياً لا يُكدّرُه طينُ ما حولَه، ولا يُغيّرُ مجراهُ غبارُ المواقفِ العابرةِ. 

فالوفاءُ عندي ليس خُلقاً أتزيّنُ به أمامَ الناسِ، بل عهدٌ أقطعهُ على نفسي: 

ألّا تُغيّرَني المواقفُ، ولا تُبدّلَني الوجوهُ، ولا تجعلني خيباتُ الأملِ أقلَّ رحمةً أو أكثرَ قسوةً. 

ولستُ أرى أنّ الخاسرَ الحقيقيَّ هو من لم يُقدَّرْ عطاؤُه. 

فالإنسانُ قد يعطي، ثم لا يجدُ من يلتفتُ إلى ما أعطى، وقد يزرعُ ولا يرى موسمَ الحصادِ، وقد يقولُ كلمةً صادقةً ثم يمضي دونَ أن يعرفَ أينَ استقرّتْ. 

لكنّ الخسارةَ الأعمقَ أن يسمحَ المرءُ لجحودِ الآخرين بأن يسلبَه أجملَ ما فيه، وأن يجعلَ تجربةً مؤلمةً سبباً في إغلاقِ بابِ الخيرِ في قلبِه. 

لهذا تعلّمتُ أن أحميَ نقاءَ روحي دونَ أن أطالبَ العالمَ بأن يكونَ على صورتي، وأن أُبقيَ بابَ الخيرِ مفتوحاً، مع وعيٍ أكبرَ بحدودِ العطاءِ وحكمةِ مواضعِه. 

وحين أمسكُ القلمَ، أُدركُ أنّ العطاءَ لا يقتصرُ على المالِ أو الموقفِ أو اليدِ التي تمتدُّ بالمساعدةِ. 

هناك عطاءٌ آخرُ أمارسُه كلّما كتبتُ كلمةً أرجو أن تُضيءَ شيئاً في عتمةِ روحٍ ما. 

فالحرفُ عندي ليس مجرّدَ خطٍّ على ورقٍ يُمحى، بل أثرٌ أُودعُه في ذاكرةِ الحياةِ، وشعلةٌ قد تظلُّ متوهّجةً بعد أن يرحلَ كاتبُها. 

كلُّ بذرةِ خيرٍ أزرعُها، وكلُّ كلمةِ حقٍّ أُسطّرُها، وكلُّ لمسةِ رحمةٍ أمدُّها، أراها أمانةً أطلقُها في هذا الوجودِ، ولا أملكُ أن أحدّدَ أينَ ستستقرُّ، ولا متى ستُثمرُ. 

فالكلمةُ التي أكتبُها اليومَ قد تصلُ غداً إلى عينٍ متعبةٍ فتمنحُها نافذةً على الأملِ، أو إلى روحٍ ظمأى فتمنحُها بعضَ السكينةِ، أو إلى إنسانٍ يمرُّ بمرحلةٍ قاسيةٍ فيجدُ فيها معنىً يعينهُ على مواصلةِ الطريقِ. 

وقد تصلُ إلى جيلٍ لم أولدْ لأراه، فيجدُ في حرفي شيئاً من النورِ الذي كنتُ أبحثُ عنه أنا أيضاً. 

لهذا لم أعدُ أكتبُ بحثاً عن كثرةِ القرّاء، ولا عن تصفيقِ المتابعين، ولا عن اسمٍ يظلُّ متقدّماً في الذاكرةِ. 

أكتبُ لأنّ الكتابةَ نفسها شكلٌ من أشكالِ العطاءِ، ولأنّ بعضَ الكلماتِ لا تعرفُ طريقَها إلى أصحابِها إلا بعد أن يغادرَها كاتبُها. 

إنّها ليست حبراً يندثرُ، بل رسالةٌ قد تعبرُ الزمانَ والمكانَ، وتصلُ إلى قلبٍ لم ألقَه، وفي زمنٍ لم أشهدْه. 

وحين أزرعُ بذرةَ حبٍّ أو رحمةٍ أو كلمةِ حقٍّ، فإنّني لا أزرعُها في أرضِ شخصٍ بعينه، بل أضعُها في أرضِ الوجودِ الواسعةِ، وأتركُ لها حريةَ الوصولِ إلى حيثُ تحتاجُها الحياةُ. 

لتُثمرَ حيث يشاءُ اللهُ، ولو بعد حينٍ، ولتنبتَ في قلبٍ لم أعرفْه، أو في مكانٍ لم تطأهُ قدمايَ، أو في زمنٍ لم أكنْ فيه شاهداً على ثمرتها. 

فالآثارُ الطيّبةُ لا تملكُ حدوداً ضيّقةً، والخيرُ متى أُطلقَ بصدقٍ قد يجدُ طريقَه بوسائلَ لا تخطرُ لنا على بالٍ. 

وهنا أفهمُ معنى العطاءِ المتجرّدِ بصورةٍ أعمقَ. 

ليس أن أعطيَ ثم أتظاهرَ بأنني لا أنتظرُ شيئاً، بينما أراقبُ في داخلي ما سيعودُ إليَّ. 

بل أن أصلَ إلى مرحلةٍ يصبحُ فيها الخيرُ قيمةً في ذاته، ويصبحُ رضايَ عن صدقِ نيّتي أعمقَ من حاجتي إلى تصديقِ الآخرين. 

أكتبُ هذه السطورَ لأُذكّرَ نفسي قبلَ كلّ شيءٍ، ولأقولَ لكلِّ من يقرأُها إنّ الإنسانَ لا ينبغي أن يجعلَ قلبَه رهينةً لردودِ الأفعالِ. 

فالعطاءُ الحقيقيُّ لا يُقاسُ دائماً بمدى تقديرِ الناسِ له، بل بصفاءِ النيّةِ، وصدقِ الانتماءِ إلى الخيرِ، والقدرةِ على الاستمرارِ دون أن يتحوّلَ القلبُ إلى دفترِ حساباتٍ يدوّنُ ما أعطى وما تلقّى. 

ولستُ أبحثُ عن مثاليةٍ لا وجودَ لها. 

فأنا إنسانٌ أتألمُ، وأتعبُ، وأتأثرُ، وقد أحتاجُ أحياناً إلى كلمةٍ صادقةٍ أو موقفٍ وفيٍّ يُشعرني بأنّ ما أقدّمه لم يذهبْ سدىً. 

لكنّني تعلّمتُ الفرقَ بين أن أقدّرَ الامتنانَ حين يأتي، وبين أن أجعلَه شرطاً لاستمرارِ الخيرِ. 

الأولُ إنسانيةٌ، والثاني قيدٌ. ولهذا سأظلُّ أُعطي بقدرِ استطاعتي، وأكتبُ بقدرِ ما أملكُ من كلمةٍ، وأمدُّ يدي حين أستطيعُ، دون أن أطالبَ الحياةَ بأن تعيدَ إليَّ كلَّ ما أرسلتُه إليها. 

فلتكنْ حياتي إشراقةً لا تنطفئُ، وغيثاً لا ينقطعُ، وحرفاً لا يُنسى، ووفاءً لا يُباعُ ولا يُشترى. 

وسأبقى، ما استطعتُ، نبعاً صافياً، لا لأنّ الجميعَ سيشكرونني، بل لأنّني لا أريدُ أن أسمحَ لقلبي بأن يفقدَ طبيعته بسببِ ما تغيّرَ حولَه. 

فالنقاءُ عندي ليس ضعفاً، والطيبةُ ليست غفلةً، والعطاءُ ليس نقصاً في الكرامةِ. 

بل إنّ أجملَ ما يمكنُ أن أحتفظَ به في نهايةِ الطريقِ هو أن أعرفَ أنّني لم أسمحْ لخيباتي أن تجعلني نسخةً من الأشياءِ التي آلمتني. 

وأنّ البقاءَ الحقيقيَّ في هذا الوجودِ ليس في كثرةِ من يذكرون اسمي، ولا في مقدارِ ما قيلَ عنّي، بل في الأثرِ الطيّبِ الذي يظلُّ حاضراً في حياةِ من مررتُ بهم، وفي الكلماتِ التي قد تواصلُ السيرَ بعد أن أصمتَ. 

يا قلبُ، لا تحزنْ إن لم يُقدَّرْ عطاؤُك، ولا تضقْ إن مرّ بك بعضُ الناسِ مرورَ الكرامِ. 

لا تجعلْ غيابَ الشكرِ دليلاً على عبثِ الخيرِ، ولا تجعلْ خيبةً واحدةً حكماً على العالمِ كلِّه. 

استمرَّ في الجريانِ ما دامَ فيك ماءٌ، ففي الجريانِ حياتُك، وفي العطاءِ النبيلِ كرامتُك، وفي التحرّرِ من انتظارِ المقابلِ سلامُك. 

وتذكّرْ أنّك لم تُخلقْ لتكونَ مرآةً تعكسُ امتنانَ الآخرين، بل لتكونَ نوراً تعرفُ طريقَه من الداخلِ، وشمساً تُضيءُ لأنّ هذا طبعُها، لا لأنّ أحداً طلبَ منها ذلك. 

وعندما ينتهي الطريقُ، لن يكونَ السؤالُ: 

كم شخصاً شكرك؟ 

بل سيكونُ السؤالُ الأعمقُ: 

ماذا أبقيتَ من خيرٍ في هذا العالمِ؟ 

وحينها أريدُ أن أجيبَ مطمئنّاً: 

لقد حاولتُ أن أكونَ نبعاً لا ينتظرُ شكراً، وأن أتركَ وراءي قطرةً من خيرٍ، وكلمةً من حقٍّ، وأثراً من رحمةٍ. 

سلامٌ على كلِّ قلبٍ أعطى ولم ينتظرْ، وكتبَ ولم يسألْ عن قارئٍ، وأحبَّ ولم يشترطْ على الحبِّ ثمناً. 

وسلامٌ على كلِّ يدٍ امتدّتْ بالخيرِ ثم عادتْ خاليةً من التصفيقِ، لكنها عادتْ ممتلئةً بالرضا. 

وسلامٌ على كلِّ نبعٍ ظلَّ جارياً، لأنّه لم يتعلّمْ من جحودِ العابرين إلا أن يحافظَ على عذوبتِه. 

فهل يبقى للنبعِ من قيمةٍ أعمقَ من أن يظلَّ جارياً، وإن لم يلتفتْ إليه أحد؟ 

بقلم: 

د. محمّد شعوفي

09أغسطس 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

الاعلام القذر...يوسف نعيم