ما لا يقاس بالحجر ..د. محمد شعوفي

 ما لا يقاس بالحجر 


أكتب وفي نفسي وجع صادق لا يخالطه رياء، وجع يزداد كلما رأيت الإنسان يقطع أشواطا هائلة في صناعة الأشياء، بينما يتعثر في أبسط واجباته تجاه أخيه الإنسان. 

وكأن الأثر الذي نتركه في الحجر صار أعز عندنا من الأثر الذي نفترض أن نتركه في الأرواح. 

في زمن تتسابق فيه الأبراج إلى عنان السماء، وتغزو التقنيات تفاصيل حياتنا، يظل السؤال الأعمق يطرق أبواب ضميري: 

هل نحن حقا نبني حضارة الإنسان، أم أننا نكتفي بتشييد حضارة الحجر؟ 

أنظر حولي فأرى ناطحات السحاب، وشبكات تقرب البعيد، وتقنيات تبهر العقل، ولكنني حين أتأمل وجوه الناس، يصعقني حجم التناقض بين بهاء المادة وعجزنا المرير عن صيانة الكرامة. 

فما جدوى كل أثر في المعمار إن لم نستطع حفظ كرامة من يعيش في ظلاله؟ 

وكيف نبني صروحا من حجارة ثم نسمح بانهيار القيم داخل الروح؟

وأي معنى لحضارة تصل بنا إلى رحاب الكواكب وتفشل في حماية إنسان من كلمة مهينة أو اعتداء يسلبه الأمان؟ 

لقد أدركت أن الحضارة الحقيقية لا تقاس بما نشيده خارج الإنسان، بل بما نرسخه داخله كما تقاس الشجرة لا بارتفاع جذعها بل بعمق جذورها في الأرض. 

فالكرامة ليست شعارا يرفع، ولا كلمة تكتب في الخطب، بل هي جوهر الوجود والحد الفاصل بين التحضر والابتذال. 

وتؤلمني رؤية هذا الجوهر يهان تحت مسميات شتى، ليتحول الإنسان من كائن له حرمته إلى سلعة تعرض أو صورة تستهلك. 

ومن هنا لا أستطيع تجاوز الحديث عن ظاهرة التحرش بكل صوره. 

فالتحرش ليس سلوكا عابرا أو خطأ يستهان به، بل هو اعتداء صارخ على الحدود الشخصية واقتحام للأمان النفسي. 

اعتداء يتسلل إلى الشوارع، والمدارس، وبيوت العمل، والفضاء الرقمي، في أماكن يفترض أن تكون شطآن أمان لا مرافئ خوف. 

وهنا يثور في ذهني سؤال محوري: 

لماذا تظل هذه الظاهرة متفشية رغم صرامة القوانين؟ 

أم أن المشكلة أعمق من القانون وتقتضي إصلاح الضمير أولا؟ 

القانون يزجر من يخشى العقوبة، لكنه لا يبني وجدانا يأنف من الإساءة حين يغيب الرقيب. 

فالإنسان الذي يحترم حدود غيره دون حاجة لكاميرا أو شرطي هو من بلغ الوعي الحقيقي. 

ومما يعزز هذه الآفة عقلية «لوم الضحية»؛ 

فحين نحاسب المعتدى عليه على مظهره أو مكانه فإننا نرتكب جرحا ثانيا بحقه مهما اختلفت اختيارات الناس في مظهرهم، فلا شيء يمنح أحدا حق الاعتداء عليهم. 

كل إنسان مسؤول عن ضبط سلوكه، ولا يجوز نقل مسؤولية الجريمة إلى المعتدى عليه. 

وهنا أعود إلى الجذر الأول: الأسرة. 

فالتغيير يبدأ من المهد الذي تزرع فيه بذرة الشخصية قبل أن تشتد عودا. 

إن نشأ الطفل على احترام الجسد والخصوصية، وعلم أن القوة ليست تسلطا وأن احترام الآخر أساس إنسانيته، فقد غرسنا فيه اللبنة الأولى للوعي. 

كما يغرس الضياء في عين الطفل فيصبح نظره إلى الحياة نظر بصيرة لا نظر عدوان. 

والوعي موقف أخلاقي صلب أترجمه في سلوكي اليومي. 

تبدأ الحكاية من موقفي الفردي؛ من كلمتي حين أستنكر الخطأ بجرأة بدلا من الصمت الخائف، ومن حرصي على القدوة في محيطي، ومن تربية أبنائي على صون الحرمات. 

وأتعهد أمام ضميري أن أقف إلى جانب المظلوم، وأن لا أسمح للصمت أن يكون ستارا يحمي المعتدي. 

ولهذا أرفع صوتي عهدا أبدأ به من نفسي: 

لا للتحرش بكافة صوره. 

لا لإهانة الإنسان أو اختزاله في سلعة. 

لا لثقافة لوم الضحية وتبرير الجريمة. 

لا للصمت الخائف أمام الخطأ. 

نعم للكرامة. 

نعم لوعي يجعل الإنسان غاية لا وسيلة. 

نعم لمجتمع لا يحتاج فيه المظلوم إلى تبرير نفسه كي يصدق. 

تلك هي الحضارة التي أبحث عنها؛ حضارة لا ترفض التقدم المادي، بل تمنحه المعنى الذي يجعله في خدمة الإنسان لا على حسابه. 

ترتفع فيها الأبراج ولا تنخفض قيمة الإنسان. وتتقدم فيها التقنية، 

ولا تتراجع الأخلاق. 

ويبقى فيها الأثر الحق محفورا لا في واجهات الزجاج، بل في القلوب التي عبرت من غير أن تجرح. 

فهل يحق لنا أن نسأل أنفسنا: 

هل نحن جادون حقا في بناء حضارة الإنسان قبل أن نتقن فن رفع الأبراج؟ 

وما قيمة الحجر إن لم يحم الروح؟ 

وما قيمة التقدم إن لم يجعل الإنسان أكثر أمنا وكرامة؟ 

وأي أثر يستحق أن يخلد إن لم يكن أثرا في كرامة إنسان؟

د.محمد شعوفي 

27 أغسطس 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

احتاجك قربي...شعر توفيق السلمان

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح