صوت الجوهر..د. محمد شعوفي

 صوت الجوهر


في هذا الزمن الذي تطغى فيه الضجّة على المعنى، وتعلو فيه أصوات كثيرة حتى يكاد المرء يفقد صوته الداخلي، أجدني أبحث عن خلوةٍ هادئة أعيد فيها ترتيب أوراق وجودي، وأستعيد فيها ذلك الصوت الذي لا يسمعه سواي. 

كلما ازداد ضجيج العالم من حولي، ازداد إحساسي بأن ثمة حقيقة تنتظرني في مكان أعمق من كل ما أراه وأسمعه. 

حقيقة لا تُقاس بكثرة الحضور ولا بسطوة المظاهر، وإنما بما يبقى من الإنسان حين تنسحب عنه كل الأقنعة.

لم أعد أرضى بأن أكون صدىً عابرًا للحظات اليومية، ولا انعكاسًا لما يريده الآخرون مني، بل تاقت نفسي لأن أكون صوتًا أصيلًا يجسّد الكرامة التي أحملها، والوعي الذي أسعى إليه، والقيم التي اخترت أن أعيش بها. 

وهكذا كانت البداية قرارًا صامتًا بالعودة إلى الداخل. 

إنني من أولئك الذين لا يكتفون بسطح التجربة، بل يغوصون في أعماقها بحثًا عن المعنى. 

كل حدث يتحول عندي إلى سؤال، وكل موقف يصبح مرآة أرى فيها شيئًا من نفسي وشيئًا من العالم من حولي ماذا علّمني هذا؟

ماذا كشف لي عن جوهر الإنسان والعلاقات؟

كيف ينبغي أن أكون بعد أن مررت بهذه التجربة؟

هذه الأسئلة لا تفارقني، لأنني لا أريد أن أعبر الحياة مرورًا عابرًا، ولا أن تتراكم الأحداث في ذاكرتي دون أن تتحول إلى معرفة أو بصيرة. 

أصالتي عندي ليست شعارًا أعلّقه على جدار الكلام، بل هي ذلك الاتساق الخفي بين ما أؤمن به، وما أقوله، وما أفعله ،حين لا يكون هناك من يراقبني. 

لا أرتاح للمظاهر الفارغة، ولا أطيق الكلام الذي لا يطابق الفعل، فالنفاق يؤذيني لأنه يضع بين الإنسان وحقيقته مسافة من الزيف. 

كثيرًا ما أسأل نفسي: 

هل أعيش حقًا، أم أؤدي أدوارًا رسمها الآخرون لي؟ 

هل أختار ما يناسب قناعاتي، أم أبحث عن القبول ولو كان ثمنه شيئًا من حقيقتي؟ 

ويأتي الجواب من أعماقي واضحًا كضوء الفجر: 

إن الاتساق الداخلي أسمى عندي من أي قبول خارجي مهما بدا براقًا في عيون الناس. 

وكرامتي هي الحد الذي لا أسمح بتجاوزه، لا تعاليًا على أحد، وإنما وفاءً للإنسان الذي اخترت أن أكون. 

أن أرحل دون أن أُذل، 

وأن أسامح دون أن أستسلم، 

وأن أحب دون أن أمتلك، 

وأن أختلف دون أن أسيء، 

وأن أقول «لا» حين يكون القبول خيانةً لما أؤمن به. 

الكرامة عندي ليست كلمة عابرة في قاموس الحياة، بل هي أحد أعمدة وجودي؛ فإذا تصدعت اختلّ توازني الداخلي، وإذا حافظت عليها استطعت أن أختلف دون أن أنكسر، وأن أرحل دون أن أفقد نفسي. 

ومع مرور السنوات، أدرك أن الوعي الحقيقي لا يعني ادعاء امتلاك الحقيقة، بل قدرة متجددة على مراجعة الذات بشجاعة. 

كلما ظهرت حقيقة أعمق لا أرى في التراجع عن رأي ثبت خطؤه هزيمة، ولا في الاعتراف بالخطأ انتقاصًا من قدر الذات. 

تعلمت أن أفرّق بين الثبات على المبدأ والتصلب في الموقف، وبين الاعتزاز بالكرامة والاستسلام للكبرياء. 

فالثبات أن أحمي ما أؤمن به، أما العناد فهو أن أحمي خطئي من الاعتراف. 

الكرامة أن أحترم نفسي، أما الكبرياء فهو أن أرفض الحقيقة خوفًا من أن أبدو مخطئًا. ولرأيي استقلاليته التي لا أفرّط فيها لمجرد أن فكرة ما أصبحت شائعة، أو أن موقفًا نال تصفيق الآخرين. 

لا أتقبل الأفكار لمجرد شيوعها، بل أعيد اختبارها على محك عقلي ووجداني، وأسأل نفسي إن كنت أؤمن بها حقًا؟ 

أم أنني ورثتها دون اختبار؟ 

هذا الاستقلال يجعلني صارمًا مع نفسي، لكنه يمنحني حرية أن أبقى صادقًا مع ذاتي بعيدًا عن ضغط الجماعة. 

وفي لحظات الصمت العميق أجد أن الوعي يتجلى بأصفى صورة. 

الصمت بالنسبة إليّ ليس فراغًا مخيفًا ولا هروبًا، بل مساحة أستعيد فيها علاقتي بنفسي بعيدًا عن الضجيج فيه. 

أسمع صوتي الحقيقي بوضوح، وأرى المعاني التي تختفي خلف زحام الكلمات. الصمت يعيد ترتيب فوضى الروح، ويمنح الوعي فرصة لأن يتحول من فكرة عابرة إلى رؤية، ومن رؤية إلى موقف، ومن موقف إلى طريقة في العيش. 

ولغتي ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي نبض وجداني وجزء لا يتجزأ من كياني. 

أسأل نفسي دائمًا قبل أن أطلق حرفًا: 

هل هذه العبارة تعبّر عما في داخلي حقًا؟ 

هل تحمل من العمق ما يليق بالتجربة؟ 

هل أكتب لأقول شيئًا حقيقيًا، أم لأبدو جميلًا في أعين الآخرين؟ 

فاللغة عندي ليست زينة للنص، وإنما اختبار لصدق التجربة لذلك أعود إلى نصوصي مرة بعد أخرى، أبحث عن توازن رشيق بين الإتقان والعفوية، أزن كلماتي كي لا تظلم الفكرة عبارةٌ في غير موضعها، مع مراعاة ألا يتحول البحث عن المثالية إلى قيد يخنق النص. 

والكتابة عندي ليست زخرفًا ولا ترفًا، بل وسيلة وجودية لاستخراج الجوهر من غمار التجربة. 

أكتب لأرتب فوضى المشاعر المتلاطمة، وأمنحها شكلًا جماليًا يعبّر عن حقيقتي دون مواربة. 

الكتابة لا تكشف الآخرين لي بقدر ما تكشفني لنفسي، فهي مرآة الروح والجسر الذي يصل بين الداخل العميق والعالم الخارجي غير أن الوعي ليس شأنًا فرديًا منعزلًا فكل ما أتعلمه يكتسب قيمته الحقيقية حين يتحول إلى أثر يتجاوز حدودي الشخصية. حين أكتب أو أتحدث، لا أبحث عن مجد شخصي زائل، بل عن فكرة توقظ في القارئ سؤالًا جديدًا، أو تمنحه زاوية أخرى للنظر. 

لا أريد أقدّم نفسي بوصفـي صاحب الإجابة، بل أحب أن أكون شريكًا في السؤال. الكتابة تتحول هنا إلى مسؤولية إنسانية، تبدأ من احترام الإنسان في اختلافه، ومن الإيمان بأن لكل قلب رحلته، ولكل عقل طريقته في الوصول. 

وفي عمق هذا التأمل، يسكنني سؤال وجودي لا يفارقني: 

بعد كل ما عشته وما سأعيشه، ماذا يبقى مني حقًا في أروقة الزمن؟

قد ينسى الناس تفاصيل كثيرة مما قلته، لكنهم يتذكرون شعورًا منحته لهم، أو كلمة أعادت إليهم ثقتهم، أو موقفًا جعلهم يرون الحياة من زاوية مختلفة. 

وهنا أفهم معنى الأثر:

الأثر ليس أن يظل اسمي حاضرًا، بل أن يبقى شيء من المعنى الذي حملته بعد أن أغيب عن المشهد، كبذرة تترك في التربة نبتًا لا يحمل اسم يدٍ غرستها. 

وأخيرًا، أدرك أنني لن أصل إلى نهاية نهائية لهذه الرحلة، لأن الوعي ليس محطة أصل إليها ثم أستريح. 

إنها جميعًا أفعال يومية تحتاج إلى تجدد ومراجعـة وشجاعة. 

لا أبحث عن حياة خالية من العثرات، بل عن حياة أخرج من عثراتها أكثر وعيًا، وأكثر صدقًا، وأقل تعلقًا بما لا يشبهني 

في النهاية إنني مسافر في الزمن، أحمل معي أسئلة لم تكتمل إجاباتها، وتجارب لم تنتهِ دروسها، وقلمًا أحاول أن أجعله شاهدًا على ما تعلمته من الحياة. 

فما دام في داخلي سؤال صادق، وقلب قادر على التأمل، وقلم يستطيع أن يحوّل التجربة إلى معنى، 

فأيّ جوهرٍ أعمق أبحث عنه في هذه الرحلة، غير أن أظل صوتًا صادقًا لا يخونه صداه؟ 

بقلم:

د.محمد شعوفي 

25 أغسطس 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إذا التقينا ،،سعد عبد الله تايه

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

الاعلام القذر...يوسف نعيم