وطن يسكنني..د. محمد شعوفي
وطن يسكنني
لطالما تساءلت في خلجات نفسي: ما الوطن؟
هل هو مجرد رقعة من الأرض نولد عليها، ونمضي منها حين تنتهي أعمارنا؟
أم هو تلك الروح التي تسكننا، وتتشكل في أعماقنا قبل أن نعي معنى الانتماء، وقبل أن يعرف العالم من نكون؟
ومنذ أن وعيت على هذه الأرض، أدركت أن الجزائر ليست مجرد نقطة على خريطة، ولا مجرد حدود تفصل بيني وبين الآخرين.
لقد كانت أولى اللحظات التي تشكل فيها وجداني، وأول نبضة عرفت من خلالها معنى الانتماء، وأول أرض شعرت فوق ترابها بأن للجذور ذاكرة، وللإنسان وطنا يسكنه كما يسكن الوطن قلبه، ويترك فيه أثرا لا يبارحه.
إن الجزائر كائن حي ينبض في أعماقي، ويسري في عروقي كما يسري الدم، ويمتزج بأنفاسي كلما استنشقت هواءها، أو وقفت أمام مشهد من مشاهد جمالها، أو استحضرت صفحة من صفحات تاريخها.
أراها في خيالي تمتد من شواطئ البحر الأبيض المتوسط الزرقاء، حيث تتراقص الأمواج على أقدام المدن العتيقة، وتزهو البيوت ببياضها تحت أشعة الشمس. وأراها تمتد عميقا في قلب الصحراء الشاسعة، حيث تختزن الرمال أسرار الأجداد، وتحمل الرياح همسات العابرين، وتتراءى لي في كل كثيب واحة، وفي كل أفق حكاية، وفي كل ذرة تراب شاهد على عظمة هذه الأرض. وترتسم أمامي جبالها الشامخة وهي تعانق الغيوم، وسهولها الخصبة وهي تمدنا بالخيرات، ووديانها وهي تحمل مياه الأمطار كأنها عروق تجري في جسد وطن حي.
وفي كل بقعة من ربوعها أسمع صوتا واحدا يهمس في أعماقي:
هذه الجزائر، وأنت منها وإليها، فكن لها كما كانت لك وطنا،
وأما، وذاكرة.
وفي كل زاوية منها أرى وجوه أبنائها، فأرى تنوعا لا يبدد وحدتهم، واختلافا لا ينال من جوهر انتمائهم، وألوانا متعددة تلتقي جميعا في لوحة واحدة اسمها الجزائر.
من جبال الأوراس الشامخة إلى سهول المتيجة، ومن ضفاف البحر إلى أعماق الصحراء.
أراهم جميعا خيوطا متآلفة في نسيج واحد، يجمعني بهم وطن واحد، وتاريخ واحد، ومصير واحد، وحلم واحد بمستقبل يليق بهذه الأرض وأبنائها.
لكن طريق المجد لم يكن يوما معبدا بالورود، ولا درب الشموخ مفروشا بالحرير لقد مرت على هذه الأرض العظيمة أزمنة قاسية، ذاقت فيها مرارة الحديد والنار، واحترقت فيها قلوب الأمهات على فراق أبنائهن، وسقط من خيرة رجالها أبطال حملوا الوطن في قلوبهم، ومضوا وهم تؤمن أرواحهم بأن الحرية لا تمنح لمن ينتظرها، بل تنتزع بالتضحية والصبر والثبات.
تعرضت الجزائر للدمار في حروب شرسة، وفقدت خيرة أبنائها ممن رووا ترابها بدمائهم الزكية، فكانت كل قطرة سقطت شهادة خالدة على أن الحرية التي نرفل فيها اليوم لم تكن هبة عابرة، وإنما ثمرة تضحيات عظيمة لا يجوز أن تنسى.
ولم تتوقف المحن عند ما صنعته الحروب، بل تعاقبت عليها أيضا نوائب الدهر وابتلاءات الطبيعة؛ من زلازل هزت أركانها، وفيضانات أغرقت بيوتها، وحرائق التهمت أخضر غاباتها، وكأن الحياة كانت تختبر في كل مرة صلابة جذورها، وقدرتها على النهوض من جديد.
غير أن تلك العواصف كلها، مهما اشتد عصفها، لم تستطع أن تخضع إرادتها، ولا أن تطفئ جذوة الأمل في صدور أبنائها.
ستظل الجزائر في وجداني كالجبل الراسخ الذي لا تزحزحه الرياح، وكالنخلة التي تنحني للعاصفة دون أن تكسرها الزوابع.
وكما رأيت بأم عيني، كلما انكسر غصن من شجرها، نبتت مكانه أغصان أكثر اخضرارا، وكلما أثقلت المحن أرضها، عادت الحياة تتدفق في أوردتها من جديد وكلما احترقت بقعة من ترابها، عادت لتزهر بسواعد أبنائها الذين أحبوا أرضهم حبا لا يقاس بالكلمات، وإنما يثبت بالعمل والعطاء.
رحم الله شهداء الجزائر الذين رحلوا وهم يحملون الوطن في قلوبهم، وجبر الله خاطر كل مكلوم وفاقد، وشفى كل جريح، وألهمنا جميعا قوة النهوض بعد كل انكسار. واليوم، أنظر إلى المستقبل بعين أكثر وعيا، وقلب أكثر يقينا، مدركا أن قوة الوطن لا تكمن في موارده وحدها، ولا في اتساع جغرافيته، وإنما في الإنسان الذي يشعر بأن الوطن مسؤوليته، وأن بناءه أمانة، وأن الحفاظ على كرامته واجب.
ولهذا سأغرس الأشجار بيدي لتنبت وتثمر، وسأساهم بما أستطيع في إعمار ما تهدم، وسأمد الجسور حيث تركت النكبات صدوعها.
لأنني أدركت أن الوطن لا يبنى بالكلمات وحدها، وإنما يشيد بالعمل والعرق والإخلاص.
وسأظل أؤمن بأن الجزائر تستحق منا أكثر من التصفيق في المناسبات، وأكثر من التغني بتاريخها في القوافي؛ فهي تحتاج إلى علم ينير طريق أبنائها، وعمل يصون كرامتهم، ووعي يحفظ وحدتها، وأخلاق تجعل مستقبلها امتدادا مشرفا لماضيها.
ستعود الحياة أبهى إلى كل زاوية من زوايا وطني، لأن الأرض التي أنجبت رجالا صنعوا التاريخ قادرة على أن تنجب أجيالا تصنع المستقبل. إن الجزائر بالنسبة لي ليست مجرد وطن أعيش فيه، بل هي مرآة كرامتي التي أرى فيها ملامح تاريخي، وامتداد وعيي الذي يحمل أثر أجدادي.
هي الملاذ الذي ألجأ إليه حين تضيق الدنيا، والجهة التي يعود إليها القلب في كل محنة، والمعنى الذي يجعلني أرى في صمودها شيئا من صمودي، وفي قوتها امتدادا لقوتي.
هي الوعد الذي يذكرني دائما بأن الأمل لا يموت ما دام في القلب نبض، وفي الروح إيمان، وفي الإنسان إرادة قادرة على التغيير.
ولهذا أقطع لنفسي ولأرضي عهدا لا أحيد عنه:
سأبقى حاملا رايتها في قلبي قبل يدي، مدافعا عن صورتها المشرقة، وفيا لتاريخها، حريصا على وحدتها، وناقلا رسالتها النبيلة إلى الأجيال القادمة.
وسأظل أكتب عنها لا لأكرر ما قيل، بل لأسكب ما أشعر به، ولأحفظ بالكلمة الصادقة شيئا من ذاكرتها الخالدة، وأثرا يبقى بعدي شاهدا على هذا الحب.
فلتبق الجزائر في قلبي كما هي في تاريخي:
أرضا لا تنكسر. وراية لا تنكس. وذاكرة لا تموت.
وأفقا لا يحده إلا السماء. ووعدا صادقا لا يخيب.
ولتبق وطنا يسكنني قبل أن أسكنه، وحكاية أعتز بأنني أحد أبنائها، وأمانة أرجو أن أؤدي حقها ما بقي في العمر بقية.
فأي أرض تستحق أن يكتب فيها كل هذا الوفاء، ويغرس لأجلها كل هذا الأمل، إن لم تكن هذه الأرض التي تسكنني قبل أن أسكنها؟
بقلم:
د.محمد شعوفي ، الجزائر
30 أغسطس 2026م
تعليقات
إرسال تعليق