تحت كل حجرة ذكرى...حسن العجوز

 تحت كل حجرة ذكرى

وعند كل شجرةٍ فكرة،

 وكل شيءٍ ما زال في مكانه.

ما زالت أرجوحتي معلّقةً على شجرة الكينا 

يمرجحها النسيم، 

ورغم مرور السنين بقيت كما هي.

 وما زال صندلي الذي رميته منذ أعوام في مكانه،

 رغم اهترائه ورغم التراب الذي استقر عليه،

 لكنه أعادني عشرين عاماً إلى الوراء.

تذكرت حين أحضره لي أبي عندما كان عائداً من عمله. 

من شدة فرحي به لم أكن أرتديه

 خوفاً من أن يتسخ، 

فكنت أمشي حافياً وأحمله في يدي؛ 

فجروح الأشواك في قدميّ أهون عندي من أن أراه متسخاً. 

كم كنت غبياً!

ذاك البيت العتيق الذي تفوح منه رائحة السنين العابرة،

 والذي امتلأت خيوط العناكب في زوايا سقفه،

 كان ظاهراً عليه فقدان الأمل بعد انتظارٍ طويل.

رأيت غرستي الصغيرة التي زرعتها قبل رحيلي؛ 

اليوم أصبحت شجرةً شامخة.

 هزّت بأغصانها عندما رأتني 

كأنها تومئ لي وتقول: "أنا هنا، 

أين كنت كل هذه المدة؟ 

لقد طال انتظاري، 

ونفذ صبري، وفقدت قواي،

 كان غيابك طويلاً جداً"

.كانت تريد معاتبتي، 

لكنها نسيت أمر العتاب عندما لمست أوراقها، 

فطارت من الفرح،

 ولولا ثباتها في الأرض لكانت ركضت لتحضنني وتستقبلني.

وأكثر ما أحزنني هو أني وجدتها تنمو بدون عناية. 

كانت تريد أن تنحني لتحيّيني ولكن جذعها طقطق،

 فعادت إلى ثباتها وهدوئها خوفاً من أن ينكسر ظهرها. 

فقد كانت تبدو على أوراقها علامات الظمأ والعطش،

 ويباسُ بعضٍ من فروعها.

منذ ليلة الأمس لم يهدأ رأسي،

 أينما التفتّ لا أجد إلا الذكريات. 

كل شيءٍ كما هو، 

إلا أن الأشخاص تغيروا وتغيرت ملامحهم؛ 

منهم من كبروا، ومنهم من لقوا حتفهم، ومنهم من هجر القرية

لم يبقَ سوى المنازل تنعي فراق ساكنيها.

أصعب غربة يعيشها المرء هي غربة المشاعر،

حين يعود إلى موطنه ويعيش كأنه غريب بين أهله وأصدقائه.


*****

بقلمي .... حسن العجوز

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

احتاجك قربي...شعر توفيق السلمان

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح