اعترافات رجلٍ لم يرتكب شيئاً..د. سمير الخطيب
اعترافات رجلٍ لم يرتكب شيئاً
اسمي لا يهم. سمّوني "سليم"، أو "المتهم رقم صفر"، فأنا لم أُتهم رسمياً بعد، لكنني أدين نفسي كل ليلة، وأحاكمها من جديد كل صباح.
منذ ثلاث سنوات، وأنا أمارس رياضةً لا يعرفها الأطباء: "قتل الجملة قبل ولادتها". كل خميس، حين أراها، تولد في صدري الجملة ذاتها: "طالما تمنيتُ أن أقول لكِ إن ابتسامتكِ تُنير هذا السلّم العتيق"، فأخنقها في مهدها، وأدفنها في مقبرة الحلق، إلى جوار أخواتها اللواتي متن هناك، كل خميسٍ على حدة.
لماذا؟ لأنني أصبحتُ أومن بأن كل كلمة إعجابٍ قنبلة موقوتة، عيارها يحدده لا مَن يطلقها، بل مَن تصيبه. أنا الرامي، لكن المرأة هي التي تقرر، بعد سقوطها، إن كانت وردةً أم طلقة.
كنتُ أزور خالتي "أم رامي" كل خميس، فأرى عند بابها فتاةً تُدعى "هدى"، طالبة صيدلة، تحمل كتباً أثقل من جسدها النحيل. كانت تبتسم لي ابتسامةً سريعة، كمن يفتح نافذةً للحظة، ثم يغلقها خشية أن يدخل البرد.
وفي داخلي، كانت تدور محكمة كاملة، وكلها أنا.
قال المدعي العام فيّ: "قل لها إن ابتسامتها تُنير سلّم البناية العتيق. هذا كلام رجلٍ سويّ."
فرد محامي الدفاع، الجزء الأجبن والأحكم فيّ: "ألا تعلم أن السلّم مظلم، وأنكما وحدكما فيه، وأن الكلمة ذاتها قد تُقرأ تحرشاً لا مجاملة؟"
وحين يحتدم الجدل، يضرب القاضي - أشد نسخي قسوة - بمطرقته: "اصمت. الصمت هو الحكم الوحيد الذي لا يُستأنف."
هكذا أدنتُ نفسي، لا لأنني أذنبتُ، بل خوفاً من أن أُدان.
في ليلة، جلستُ بين القبور - أجدها أعدل من الأحياء، فالموتى لا يفسّرون نواياك - وسألتُ نفسي: متى وُلد هذا الخوف؟
تذكرتُ صديقي "بلال"، الذي قال لزميلته بحسن نية إن فستانها الأزرق يليق بعينيها، فرفعت شكوى، لا لبذاءة الجملة، بل لأنها "شعرت أن نظرته تُقيّم جسدها". وتذكرتُ "مراد"، قال الجملة ذاتها لامرأة أخرى، فابتسمت وشكرته، بل ودعته لتناول القهوة.
نفس الجملة. مصيران متناقضان.
عندها أدركتُ أن الرجل لم يعد يُحاكَم على نيته، بل على تربة يزرع فيها، ولا يعرف طبيعتها إلا بعد أن يقذف فيها بذرته. فإن كانت جريحةً من قبلُ، أنبتت بذرته شوكاً. وإن كانت مطمئنة، أنبتت وردة. فهل أنا مذنب لأنني لا أعرف تاريخ كل تربة أمرّ بجوارها؟
تخيلتُ جدي يجيبني من تحت الحجر: "كنتُ أقولها، يا ولدي، وأتحمل نتيجة قولي. إن ضحكت، فرحتُ. وإن غضبت، اعتذرتُ وانصرفت. أما أنتم، فاخترعتم جحيماً جديداً: أن تُدانوا في محكمة الاحتمال، لا محكمة الفعل."
عندها بكيتُ، لا حزناً على هدى، بل على ذلك الجزء الميت فيّ: القدرة على المخاطرة.
وفكرتُ: كيف يبدأ الحب أصلاً، لو لم يبدأ بإعجاب؟ أوليست كل قصة حبٍ قد ولدت من نظرةٍ تأخرت ثانيةً عن موعدها، أو كلمةٍ تجرأ قائلها على قولها وهو يرتجف؟ الحب بذرة إعجابٍ صغيرة، يُسقيها الزمن أو يقتلها الصمت. فإن مُنع الإعجاب من أن يُقال، فبأي معجزةٍ سيولد الحب؟ أردنا ثماراً دون أن نسمح بزهورٍ تسبقها.
وهذا ينطبق أيضاً على الصداقة والزمالة. فالإنسان يعيش بين نقدٍ يهذبه وإطراء يؤنسه، وهذان توأمان لا يفترقان: من يملك حق انتقادك حين تخطئ، يجب أن يملك حق مديحك حين تُحسن. أما نحن، فأبقينا للناس حق النقد كاملاً، وصادرنا حق الإطراء، وكأننا نريد علاقاتٍ بنصف قلب: قلبٌ يؤنّب، لكنه لا يجرؤ أن يُثني.
فالحب ليس شعوراً آمناً، لم يكن يوماً كذلك. لكنهم، في محاولتهم لحماية النساء من ذئابٍ حقيقيين، ذبحوا معهم الحملان، ذبحوا كل رجلٍ كان يحمل جملة خجولة في صدره، فأصبح الحَمَل يخاف أن يقترب من المرعى، خشية أن يُحسب ذئباً.
في اليوم التالي، مررتُ بهدى على السلّم. حملتْ كتبها، وابتسمت كعادتها. وفي صدري تعتمل جملة جديدة: "أراكِ متعبة اليوم يا هدى، أعانكِ الله على دراستكِ." جملة بريئة، لا تحمل غزلاً، مجرد التفاتة أخ لأخته.
لكنني، للمرة الألف، خنقتها في حلقي.
صعدتُ إلى شقتي، وجلستُ في الظلام. وقلتُ لنفسي بصوتٍ سمعه الحائط وحده: "لقد ربحتِ أيتها المحكمة الداخلية. حكمتِ عليّ بالإعدام، لا بتهمة التحرش، بل بتهمة الخوف من أن أُتَّهم به. وهذا أقسى الأحكام: أن يُعدَم الإنسان لا لأنه أذنب، بل لأنه توقف عن محاولة أن يكون بريئاً بشجاعة."
لم تكن هناك مروحة في غرفتي. لكن صمتي كان يدور فوق رأسي بنفس البطء القاتل، حتى نسيتُ كيف كان صوتي حين كان لا يزال يجرؤ على قول: "أنتِ جميلة".
بقلم: سمير الخطيب
تعليقات
إرسال تعليق