عهد الحرف...د. محمد شعوفي
عهد الحرف
أجلس أمام بياض الورق، فأشعر بهيبة اللحظة وثقل الأمانة وأدرك أن الصفحة البيضاء ليست مجرد فراغ ينتظر الكلمات، بل مساحة يختبر فيها ضميري بما أكتب، وبما أختار أن أقول، وبما أقرر الصمت عنه.
فكل حرف أخطه اليوم أثر أزرعه في غد لا أراه.
أدركت في الوقت المناسب أن الكتابة ليست حرفة عابرة أو ترفا لغويا أمارسه متى شئت، بل هي روح تبث في الحروف، ورسالة تتجاوز حدود الزمان والمكان لتبقى حية بعد رحيل صاحبها.
منذ أمسكت القلم أول مرة، اكتشفت أن علاقتي بالحرف عهد وثيق بيني وبين نفسي، ومسؤولية أمام الله والضمير والإنسان.
فالحرف ليس مجرد خط على الورق ولا صوتا يتبدد في الهواء، بل أثر يلامس القلوب، ويوقظ الفكر، ويجبر الكسر، ويفتح نافذة من النور في جدار اليأس.
أتعامل مع القلم كأمانة إلهية، ومع كل كلمة كجزء لا يتجزأ من أثري المتبقي.
لا تقاس الكلمة بجمال صياغتها فحسب، بل بما تحمله من صدق ونبل ومسؤولية.
قد تكون الكلمة زاهية المبنى لكنها مؤذية المعنى، وقد تكون بسيطة الألفاظ لكنها تضيء النفس بما لا تتركه المجلدات.
لا تزكو الكلمة إلا إذا نبعت من قلب صادق ونية نقية، خالية من الغرور والرياء والرغبة في الانتقاص من الآخرين.
أعامل الحرف بتواضع وهيبة، فلا أجعله سلاحا للانتقام، ولا وسيلة للتفاخر، ولا خنجرا يطعن غائبا، ولا جسرا للوصول إلى مجد زائف.
بل أريده جسرا يصل روحي بأرواح القراء، وبذرة طيبة في أرض صالحة، تمتد جذورها في تربة من قرأها.
قبل أن أخط أي كلمة، أوقف قلمي لحظة وأسأله بصدق: هل ستضيء هذه الكلمة قلبا؟
هل ستبني جسرا نحو الآخر؟
هل ستجبر كسرا أنهكه الألم؟
هل ستضيف معنى يستحق أن يقال؟
وهل أستطيع الوقوف أمامها غدا وبعد أعوام دون خجل من أثرها؟
فإن وجدت في الكلمة خيرا مضيت بها وإن رأيت أنها تؤذي دون ضرورة، أو تجرح دون غاية، أو تزيد الضجيج فراغا، آثرت الصمت، وكان صمتي حينها أبلغ وأكرم.
أخلاقي مع الكلمة تبدأ من محاسبة النفس قبل الكتابة وبعدها، ومن شجاعة الاعتراف بالخطأ إن زل القلم.
لا أرى في التراجع عن الخطأ انتقاصا من القدر، بل دليلا على أن الوعي أكبر من الكبرياء.
ولا أتكبر على من يصحح لي، ولا أحتقر رأي من يختلف معي، فالحقيقة لا يملكها أحد بمفرده.
تعلمت أن أكون ناقدا بإنصاف وناصحا برحمة، أفرق بين نقد الفكرة وإهانة صاحبها فالنقد القاسي يهدم، بينما الكلمة الرفيقة تفتح الأبواب المغلقة وتصل إلى القلب قبل العقل. في زمن تتسابق فيه الكلمات على الشاشات وتتقدم السرعة على عمق التفكير، أسأل نفسي:
كيف أكون منصفا للحرف في عصر الضجيج؟
كيف أحمي كلمتي من أن تكون مجرد صدى عابر؟
أليس الأجدر بي أن أكون بطيئا في الكتابة، عميقا في التفكير، صادقا في التعبير؟
ما قيمة أن تصل الكلمة إلى الآلاف إن لم تلمس إنسانا واحدا بصدق؟
وما قيمة التصفيق إن كان الكاتب يعلم في سريرة نفسه أن حروفه خلت من الصدق؟
القلم لا يحتاج إلى كثرة الكلام، بل إلى صدق المعنى وعمقه.
أرى الحرف ضوءا يتبدد به الظلام، وبذرة تسقى بصدق النية لتنبت شجرة وارفة، ونبعا صافيا يروي العطاش، وطائرا يحمل رسائل النور.
لكن الحرف قد يكون دواء أو جرحا، جسرا أو جدارا.
والمسؤولية ليست في امتلاك مهارة الكتابة، بل في معرفة متى نكتب، وماذا نكتب، ولماذا نكتب.
لا أريد لقلمي أن يكون شاهدا على وجودي فحسب، بل شاهدا على القيم التي آمنت بها فما يبقى بعد الرحيل ليس الجاه ولا الألقاب ولا التصفيق، بل الأثر الطيب والمعنى الذي أضفناه إلى حياة إنسان.
هذا هو ميثاقي مع القلم:
أن أكتب حين يكون للكتابة معنى، وأصمت حين يكون الصمت حكمة.
أن أراجع قلبي قبل عبارتي، وأزن أثر الكلمة قبل جمالها، وأن أكون أمينا على الحرف، رحيما بالخلق، متواضعا أمام الحقيقة.
وهناك، عند آخر السطر، أعود إلى بياض الورق الأول فالبياض أمانة تنتظر أن نملأها بما يستحق الخلود فهل يبقى للحرف من قيمة إن لم يغادر الصفحة إلى قلب يحمل أثره من بعدي؟
د.محمد شعوفي
26 أغسطس 2026م
تعليقات
إرسال تعليق