بهاء الخفاء...د. محمد شعوفي
بهاء الخفاء
أجلس في زاويتي.
وأتأمل ضجيج عالم يبذل فيه الخير لكي يرى، ويمنح العطاء على أن ينتظر اعترافا، ويفعل الخير بشرط أن تلاحظه العيون.
منذ اللحظة الأولى التي أمسكت فيها القلم، أدركت أن الأثر الذي أنشده لا يقاس بصدى التصفيق، بل بما يبقى صامتا في القلوب بعد أن يخفت كل صوت.
فالكتابة ليست صوتا أرفعه ليسمعني الناس ولا نافذة أطل منها بحثا عن نظرات تشبع رغبتي في الظهور.
إنها نبع يتفجر من أعماقي، لأروي العطاشى إلى المعنى، وأترك في الطريق شيئا من النور الذي تعلمته من الحياة.
إنني أتعلم يوما بعد يوم أن أخلاق الكاتب لا تقل أهمية عن كلماته.
فما أكتبه هو أولا وقبل كل شيء صورة لما أنا عليه.
وخير الكتابة ما كان صادقا في الخفاء، لا ينتظر تصفيقا، ولا يبتغي مديحا، ولا يشترط جمهورا كي يشعر بقيمته.
أفعل الخير وأكتب الكلمة الطيبة لأنهما يوافقان قيمي، لا لأنهما سيعودان علي بنفع أو مكافأة.
فإن لم يشكرني أحد، وإن لم يلحظ مجهودي أحد، فلن أتغير.
قيمتي لا تعتمد على تصفيق الآخرين، بل على انسجامي مع جوهر نفسي، ووفاء حرفي لما أؤمن به.
فليس كل كلمة تسمع تبقى، بل الكلمة التي تكتب بصدق قد تبقى وإن لم يسمع صداها في الحال.
طهارة الحرف أن يكون خالصا للمعنى، لا ملوثا بطمع التصفيق.
ونقاء الكلمة أن تظل صادقة في الخفاء كما هي في العلن، لا تتلون حسب عدد القراء أو حجم الإعجاب.
أعين دون أن أحدث ضجيجا أعطي دون أن أحصي أسامح دون أن أعلن وأمضي قدما دون أن أطلب إقرارا.
أنظر إلى نفسي كالنبع الذي يتفجر من جوف الأرض في صمت، لا يسأل من يشرب منه، ولا ينتظر مديحا، يفيض من قلبه ليغسل الغبار عن الأرواح ثم يواصل جريانه.
وكالطائر الذي يفتح جناحيه في الفضاء، يحلق فوق الضجيج، ويبحث عن أفق أوسع لا تحده نظرات الناس، ولا تقيسه مقاييس الشهرة والإعجاب.
وكالجذر الذي يمتد في العمق بعيدا عن العيون، ليمنح الشجرة ثباتها، دون أن يطلب نصيبا من ظل أغصانها.
وحين أقف أمام مرآة روحي، لا أنظر لأرى انعكاس ما يقال عني، بل لأرى ما أنا عليه حقا.
فالمرآة لا تكذب، ولا تجامل، ولا تمنح أوسمة زائفة.
إنها تظهر لي الجوهر عاريا من زينة الأقوال، وتضعني أمام السؤال الذي لا يستطيع التصفيق أن يجيب عنه:
من أنا حين لا يراني أحد؟
فإن رأيت في المرآة قلبا يخفق بالصدق، ويدا تمتد بالخير، وقلما يكتب الحق حتى حين لا يقرؤه أحد، فهذا هو كل ما يهمني.
أما الثناء فزائل كالضوء الساقط على سطح الماء، يبرق لحظة ثم يمضي، ولا يبقى إلا ما استقر في الأعماق.
أومن أن الخير الذي يزرع في الخفاء يثمر في العلن.
وأن الأثر الخالد ليس في الأوسمة ولا في كثرة الضجيج، بل في كلمة تبقي المعنى حيا، وخلق يذكر بالخير.
ولعل أصدق انتصار للكاتب ألا يكون حاضرا حين يكتشف أثر كلمته.
أن يكتب ثم يمضي
أن يعطي ثم ينسى
أن يزرع ثم يترك للزمن مهمة إخباره بما أنبتت يداه.
وسأظل أكتب وأعطي وأزرع في صمت.
سأظل وفيا للحرف حين لا يصفق له أحد، وللخير حين لا يشكرني عليه أحد.
تكفيني الطمأنينة إلى أنني لم أخن المعنى، ولم أبع صدقي، ولم أكتب إلا ما أؤمن به.
فذلك هو النصر الحقيقي للكاتب:
أن يبقى حرفه طاهرا ونقيا حين يكون هو قد رحل.
وأن يظل أثره شاهدا عليه، حتى وإن لم يكن هناك شاهد على لحظة الكتابة.
فهل ثمة أثر أصدق من أثر لا يطلب أن يرى، ولا ينتظر إلا أن يبقى؟
بقلم:
د محمد شعوفي
06 سبتمبر 2026م
تعليقات
إرسال تعليق