الانتقاء // بقلم أ. د.محمد شعوفي
الانتقاء
لطالما ظننت أنني نهر مستقل الجريان، لا يشاركني أحد منبعي، ولا يبدل مجرى مائي.
لكنني كلما تأملت في أعماقي، وجدت أن الماء الذي أحمله يحمل رواسب كل ضفة مررت بها، وأن جذوري، وإن بدت ثابتة في تربتها، فإنها تتشرب مما حولها من رطوبة وملح ونور.
كثيرا ما توهمت أنني أملك ذاتي كاملة، وأن ما يحيط بي من أشخاص وأفكار ومشاعر يمكن أن يبقى خارج حدودي ما دمت لم أسمح له بالدخول.
غير أن الحياة لا تدار بهذا المنطق الحاسم.
فلست جزيرة معزولة ولا كيانا مغلقا، بل أتشكل في صمت من كل ما يلامسني، وأتأثر بمن يقترب مني، وأحمل في أعماقي شيئا من الآخرين دون أن أنتبه إلى اللحظة التي تسلل فيها ذلك الأثر.
فكل مجالسة تترك في روحي ملمحا، حتى يصبح بعض ما في امتدادا لما مر بي من وجوه وأصوات، كما يحمل الطائر في ريشه غبار الأرض التي حط عليها.
ومن هنا بدأت ألتفت إلى تلك المساحة الخفية بيني وبين محيطي حيث لا أعرف أحيانا أين ينتهي اختيار ذاتي وأين يبدأ تأثير الآخرين وعندها اكتشفت حقيقة لا تخطئها عين البصيرة:
أن العيش معزولا عن المحيط ليس بممكن.
بل إن أعماقي تحمل أثر من أخالطهم، كما تحمل الأشياء رائحة المكان الذي تقيم فيه.
فما كينونة روحي إن لم تكن حصيلة من جالست؟
وما نفسي إن لم تكن مرآة لمن عاشرت؟
أيقنت أنني أتأثر بمن أحيط بهم تأثيرا يتسلل ببطء دون وعي مني كالرائحة التي تسكن الثوب بمرور الوقت، فلا تبرحه إلا بجهد ومعاناة.
حين أعاشر من يسرفون في الحكم على الناس، تتغير نظرتي إلى العالم، فلا ترى عيني إلا العيوب والمثالب، وتغلق عين قلبي عن رؤية الجمال.
وإذا ما جلست طويلا في معشر يكثرون الشكوى، تسلل اليأس إلى روحي، فترى عيني العقبات في كل درب، ويفقد قلبي قدرته على الإشراق.
تلك ديناميكية خفية قوانينها لا تخطئ في داخلي.
فروحي تنسخ طباع محيطي بغير وعي مني.
فكيف أعرف أين ينتهي وجودي ويبدأ الآخر؟
وإلى أي مدى يصنع من أجالس كينونتي دون أن أشعر؟
كيف أصون هويتي وسط هذا الامتزاج الخفي؟
وكيف أضمن نقاء هذا الأثر الذي يتراكم في أعماقي؟
هنا أدركت أن اختيار من أحيط بهم ليس أمرا هامشيا، بل هو مشاركة في صناعة مصيري.
فالناس يهدونني، دون قصد، أفكارهم ومشاعرهم ومقاييسهم للحياة.
أيقنت أن العزلة ليست حلا، فوجودي قائم على التفاعل، لكن وعيي بالاختيار هو ما يصنع الفارق.
فتقتضي مسؤوليتي أن أنتقي أولئك الذين تعانق أرواحهم النور، ممن يعلمونني كيف أرى الجوهر قبل القشور، ويملأون قلبي أملا ويرون في كل عثرة فرصة للنهوض، أولئك الذين تعطي مجالستهم اتساعا لنفسي لا انكماشا.
كما تمنح الشمس البذرة المدفونة دافعا للإنبات لا سببا للذبول.
أشبه في الحقيقة مرآة تعكس وتتأثر بما تلتقيه لكن الأعمق من ذلك كله هو قدرتي على البقاء في قلب هذا الامتزاج، أي الحفاظ على جوهر روحي مع الانفتاح على الآخرين.
فالأثر الذي أتأثر به لا بد أن يكون أثرا من نور لا من ظلام.
وهذا يتطلب مني يقظة دائمة ومراقبة صامتة لما يحدث في داخلي هل أبدو اليوم أقرب إلى جوهري أم أبعد؟
فاختيار الرفقة إذا هو اختيار للطريق، وهو حصن نفسي في زمن كثرت فيه المؤثرات وتشابهت السبل.
وغاية ذلك كله أن أظل أكثر صفاء وأنقى أثرا، وأن أكون ممن حملوا عن الغير طيبا لا وقرا، وممن أخذوا منهم ضياء لا عتمة.
وفي نهاية الرحلة، أدركت أن الحقيقة ليست في الانعزال، بل في حسن الانتماء.
لا أستطيع منع الأثر، لكنني أملك حق اختيار الأثر الذي أسمح له بالاستقرار في أعماقي.
أن آخذ ولا أؤخذ بالكامل،
أن أتشكل ولا أذوب،
وأن أنفتح ولا أفنى،
كما يأخذ الشاطئ من الموج رغوته، ويرد إلى البحر ملحه، محتفظا برماله.
فهل يكون اقترابي من الآخرين فعل وعي لا تنازلا عن ذاتي؟
وهل يغدو هذا الامتزاج إضافة إلى روحي لا ذوبانا فيها؟
د.محمد شعوفي
31 أغسطس 2026م
تعليقات
إرسال تعليق