لذيذ الحب...د. علي المنصوري

 لذيذ الحب

--------------

يا من سقتني لذيذَ الحبِّ من يديها

وأطعمتني من فمِ الوردِ

ما لم أذقهُ من نساءِ الأرضْ


يا من حينَ مرّتْ أصابعُها فوقَ كفّي

تلعثمَ في دمي الكلامْ

وصارَ قلبي

طفلًا يخبّئُ في جيبهِ

سرَّ أولِ قبلةْ


أنا رجلٌ

كان يظنُّ بأنَّ النساءَ

وجوهٌ جميلةْ

وشَعرٌ طويلْ

وعطرٌ يمرُّ سريعًا

ثم ينامْ


حتى أتيتِ أنتِ ..

وصرتُ أرى المرأةَ

قصيدةً تمشي على قدمينْ

وأرى العيونَ

مرافئَ للغرقْ

وأرى الشفاهَ

أبوابا صغيرةً

تؤدي إلى جهاتٍ بعيدةْ


يا امرأةً

كلما قلتُ .. انتهيتُ منكِ

بدأتِ

وكلما حاولتُ أن أستعيدَ توازني

أرسلتِ ابتسامةً

فمالَ العالمُ كلُّهُ

نحوَ فمي


أنتِ لا تعرفينَ

ماذا تفعلُ امرأةٌ

حين تضعُ رأسَها على كتفِ رجلٍ

يحبُّها


إنها تضعُ فوقَ كتفهِ

سنواتِ خوفها

وأسرارَ طفولتها

وتعبَ الطريقْ


وهو ..

يحاولُ أن يكونَ جبلا

مع أنهُ بحرٌ يرتجفْ

وأنا كنتُ ذلكَ البحرْ

حين اقتربتِ مني

سمعتُ في داخلي

صوتَ شيءٍ قديمْ

كأنني كنتُ أنتظركِ

منذُ زمنٍ

لا أتذكرُ بدايتهْ


كأنَّ قلبي

كان يعرفُ اسمكِ

قبلَ أن أعرفَ وجهكِ

فهل يُعقلُ

أن نلتقي صدفةً

في آخرِ العمرْ

بعدَ أن تكونَ أرواحُنا

قد تعارفتْ

في مكانٍ آخرْ؟


لا أدري ..

لكنني أعرفُ

أنكِ حين تضحكينَ

أشعرُ بأنَّ العالمَ

أقلُّ قسوةْ

وحين تحزنينَ

أشعرُ أنَّ في صدري

نافذةً انكسرتْ

وحين تغيبينَ

يصيرُ النهارُ طويلا

كأنَّ الشمسَ

تبحثُ عنكِ مثلي


يا من سقتني لذيذَ الحبِّ من يديها

لا تسأليني

كيف أصبحتُ أسيرَكِ

فالأسرُ في عينيكِ

ليس سجنا

إنهُ وطنْ

وأنا منذُ أحببتُكِ

لم أعدْ أريدُ وطنا سواكِ


أنا لا أريدُ امرأةً

تُغلقُ أبوابَها عليَّ

أريدُ امرأةً

تفتحُ لي أبوابَ روحها

ثم تقولُ ..


اذهبْ ..

ولكن عدْ

أريدُ أن أحبَّكِ

وأنتِ حرةْ

أن تكوني سماءً

وأكونَ طائرا

أن أقتربَ منكِ

دونَ أن أضعَ يدي

على جناحكِ


فالحبُّ الذي يحتاجُ إلى قفصْ

ليس حبّا

والقلبُ الذي يخافُ الرحيلْ

لا يعرفُ معنى الوصولْ


يا حبيبتي ..

تعالي كما أنتِ

بضعفكِ ..

عنادكِ ..

غضبكِ ..

وبقايا النساءِ القديماتِ

اللواتي يسكنَّ ذاكرتكِ ..


تعالي بكلِّ ما فيكِ

من نقصْ

فأنا لا أحبُّ الكمالْ

الكمالُ باردْ

وأنا أحبُّ ارتعاشتكِ

حين تخافينَ من كلمةْ

وأحبُّ صمتكِ

حين لا تجدينَ جوابا

وأحبُّ تلكَ اللحظةَ

التي تسرقينَ فيها

نظرةً نحوي

ثم تتظاهرينَ

أنكِ لم تنظري


يا امرأةً

تُفسدُ عليَّ هدوئي

بمجردِ أن تمرَّ في بالي

كيف أفعلُ بكِ؟

وكيف أفعلُ بنفسي؟


أنا الذي كنتُ أكتبُ عن الحبِّ

من وراءِ الزجاجْ

صرتُ الآنَ

أقفُ تحتَ المطرْ

وأنتظرُ يدا واحدةً منكِ

كي أنجو

وصرتُ أفهمُ

أنَّ العشقَ ليس كلاما


العشقُ أن تتغيّرْ

أن تسقطَ منكِ

الأشياءُ التي كنتَ تظنُّها أنتُ


أن تصيرَ أقلَّ غرورا

وأكثرَ صدقا

أن تكتشفَ

أنَّ قلبَك ليس ملككْ

حين يدخلُهُ شخصٌ

ويجلسُ فيهِ

دونَ موعدْ


يا إلهي ..

لا .. لا أريدُ أن أسمّي

ذلكَ الشعورَ

ولا أن أضعَهُ

في قفصِ الكلماتْ

دعيني فقطْ

أشعرُ بهِ

دعيني أتركُ قلبي

يتعلمُ وحدهُ

كيف يحبُّ


فبعضُ المعارفِ

لا تُدرَّسْ

تأتي على هيئةِ امرأةْ

وبعضُ الأبوابِ

لا تُفتحُ بالمفاتيحْ

تُفتحُ بلمسةْ

وبعضُ الطرقِ

لا تقودُ إلى مكانْ

تقودُ إلى نفسكْ


وأنتِ ..

كنتِ الطريقْ

كلما مشيتُ نحوكِ

عدتُ إليَّ

وكلما ابتعدتُ عنكِ

وجدتني أفتقدُني


فما الذي صنعتِ بي؟

أيُّ سحرٍ هذا

الذي يجعلُ رجلا

يخافُ على امرأةٍ

أكثرَ مما يخافُ على نفسهْ؟

أيُّ حبٍّ هذا

الذي يجعلُني

حين أراكِ متعبةً

أتمنى لو أحملُ عنكِ

كلَّ تعبِ السنينْ؟


يا من سقتني لذيذَ الحبِّ من يديها ..

اسقيني

ولكن ببطءْ

دعيني أتعلمُ السكرَ

قطرةً قطرةْ

فأنا أخشى

أن أشربَكِ دفعةً واحدةْ

فأفقدَ القدرةَ

على العودةِ إلى العالمْ

وأنا لا أريدُ العودةْ

أريدُ أن أبقى

هناك ..


في المسافةِ الصغيرةِ

بينَ يدكِ ويدي

في اللحظةِ التي تسبقُ القبلةْ

في الصمتِ الذي يليها

في رعشةِ القلبِ

حين لا يعرفُ

هل ما يحدثُ حبٌّ

أم حلمْ


هناك أريدُ أن أكونْ

حيثُ لا أحتاجُ

أن أقولَ لكِ .. أحبكِ

لأنكِ ستعرفينْ

وحيثُ لا أحتاجُ

أن أسألكِ .. هل تحبينني؟

لأن عينيكِ

ستجيبانْ


وحيثُ لا يبقى

من الرجلِ الذي كنتهُ

إلا قلبُهْ

قلبٌ صغيرْ

مبلّلٌ بالعشقْ

واقفٌ أمامكِ

عارٍ من كلِّ ادّعاءْ


ويقولُ لكِ ..

خذيني 

فما عدتُ أعرفُ

كيف أعودُ إلى نفسي

بعدَ أن صرتِ

أجملَ ما فيها 


د.علي المنصوري

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

احتاجك قربي...شعر توفيق السلمان

حياتي مع الزمن ..ا. منال صباح