أطلالُ السُّهاد...زيان معيلبي
أطلالُ السُّهاد
أُناجي الدُّجى
وأقولُ: أينَ
زمانُ الصِّبا؟
وأينَ الليالي
وأينَ المنى؟
فلا الليلُ يُصغي
ولا الريحُ إلا
تُثيرُ الغبارَ بقلبيَ
ثم تمضي
كأنْ لم يكنْ
للسنينِ صدى
وأمضي وحيدًا
بطولِ الطريقِ
كأنّي فلاةٌ
بغيرِ انتهاءْ
وأجرُّ خلفي
بقايا فؤادٍ
أضنّاهُ طولُ
السُّرى والرحيلْ
وأخفي جراحي
وراءَ السكوتِ
وأدفنُ وجدي
تحتَ الصمتِ
دفنًا عميقْ
فلو أنَّ صخرًا
أصاخَ لأنّاتِنا
لبكى الصخرُ
من ثقلِ ما نستكينْ
أيا دهرُ
يا من تُديرُ الوجوهَ
عن المنكسرْ
وعن كلِّ قلبٍ
أضنّاهُ طولُ المسيرْ
أما آنَ أن تستريحَ
الخطى؟
أما آنَ أن ترأفَ
بالمتعبينْ؟
تُساقطُنا في مهاوي
الأسى
وتتركُنا للرياحِ العِجافْ
ونُقيمُ على شَفَةِ
الوهنِ
نقتاتُ من فتاتِ
الرجا
ونسقي القلوبَ
كؤوسَ العلقمِ
ثم نقولُ:
غدٌ سوفَ يأتي
لعلَّ الصباحَ
يردُّ الذي
توارى ويُحيي
بقايا المنى
ولكنْ يجيءُ
الصباحُ ثقيلًا
كوجهِ الخذلانِ
بعدَ انتظارْ
وكم من فتىً
أودعَ الريحَ حلمًا
فردّتْ إليهِ الحلمَ
مكسورَ جناحْ
وكم من فؤادٍ
أقامَ الصبرَ
وظنَّ النجاةَ تكونُ بهِ
حتى إذا طالَ ليلُ
العذابِ
وطالَ الطريقُ
وطالَ الأنينْ
عرفنا بأنَّ الصبورَ
يُمتحنْ
وأنَّ احتمالَ الأسى
لهُ حدودْ
نحنُ أبناءُ هذا
التِّيهِ
تُنازعُنا النفسُ
والخَطْبُ معًا
نضحكُ بينَ الوجوهِ
وفي الصدرِ
مأتمُ حزنٍ
طويلُ النحيبْ
ولكنْ بقايا عِزٍّ لدينا
تأبى علينا
حياةَ الرمادْ
سنظلُّ وقوفًا
على رغمِ هذا
الزمانِ العَضوضْ
ولو عضَّنا الدهرُ
بالنابِ
حتى تكسّرَ فينا
الأملْ
ولو أضنانا السُّرى
واستبدَّ بنا ليلُ
هذا الطريقْ
ولو أحاطتْ
بنا الغيهبُ
من كلِّ صوبٍ
ومن كلِّ دربْ
فليسَ الذي ذاقَ
مُرَّ المحنْ
يموتُ إذا ظلَّ فيهِ
البصيرْ
وربُّ جراحٍ شقتْ
في الفؤادِ
طريقًا إلى حكمةٍ
لا تزولْ
وربُّ ليالٍ أطالَ
السُّهادُ
بها في المآقي
المقامَ الطويلْ
ولكنْ إذا انشقَّ
عنها الصباحُ
تردُّ إلى الروحِ
بعضَ الحياةْ
فيا قلبُ لا تُكثرِ
النَّدبَ
فليسَ الذي ضاعَ
يرجعُ دومًا
وليسَ انكسارُكَ
آخرَ دربٍ
ولا كلُّ كسرٍ يظلُّ
انكسارْ
فخذْ من جراحِكَ
نورَ البصيرةِ
وخُذْ من لياليكَ
معنى الصمودْ
وصُنْ في ضلوعِكَ
عزَّ الحرارِ
ولا تستسلمْ
لسطوةِ دهرْ
فما نحنُ إلا
بقايا كرامةْ
إذا صانَها القلبُ
ظلّتْ لنا
فلا تجعلِ الدهرَ
يمضغُ روحَكَ
في أفواهِ قومٍ
عُبورٍ عِجافْ
وقِفْ يا فؤادُ وإن
طالَ ليلُكَ
وقِفْ فالكرامةُ
آخرُ ما يبقى للحرِّ
حينَ تضيقُ
عليهِ الجهاتُ
ويشتدُّ ليلُ السُّهادْ.
_زيان معيلبي (أبو أيوب الزياني) الجزائر
تعليقات
إرسال تعليق