خمس دقائق // بقلم أ. سمير الخطيب
خمس دقائق
قصة قصيرة
الدكتور سامي عبد الرحمن لم يرفع عينيه من على الورقة.
قبل ساعتين فقط، كان واقفاً في ممر المستشفى، يضحك بصوته الجهوري المعتاد وهو يربّت على كتف خالد: "يا خالد، خبرني، هذا الكرش صار يوجعني شوي من كم يوم، بس أكيد من كتر القهوة والسهر." قالها بخفة من لا يخشى شيئاً. لكن خالد لم يأخذ الأمر بخفة صديقه: "اقعد هون خمس دقايق، خلّيني أعمل لك ألتراساوند سريع، ولا يهمك." جلس سامي متبرماً، ينظر لساعته أكثر مما ينظر للشاشة. ضحك، وودّع خالد عند الباب، ونسي الأمر تماماً بمجرد أن دخل سيارته.
الآن، في شقته، تحت ضوء اللمبة الصفراء التي تزنّ، فتح الظرف الذي تركته له الممرضة فاطمة عند مغادرته.
فتح الصفحة الثانية. "كتلة في رأس البنكرياس، 3.2 سم. التوصية: خزعة عاجلة. التشخيص: ورم خبيث." وفي الأعلى: سامي عبد الرحمن. 45 سنة.
لم يفكر في الموت أولاً، بل في الرقم: نسبة البقاء خمس سنوات 11%. كم مرة قال هذا الرقم لمرضاه بنفس النبرة الباردة؟ كان يقولها وهو يوقّع على ورقة أخرى، أو ينظر لساعته منتظراً المريض التالي. الآن عاد الرقم ليأكله. نهض فجأة، شعر بحلقه يضيق، وركض إلى المطبخ الصغير، وتقيّأ ماءً فوق الحوض، جسده يرتجّ برجفة لم يعرفها من قبل. مسح فمه بكم قميصه، ونظر في المرآة الصغيرة المعلقة فوق الحوض، فرأى رجلاً خائفاً لا يعرفه: عيناه محتقنتان، وجهه شاحب بلون لم يره في وجه مريض من قبل دون أن يشخّصه.
فتح درج الأدوية بحثاً عن أي شيء، أي شيء، فلم يجد سوى شريط باراسيتامول قديم. وقف يحدّق فيه لثوانٍ، كأن الطب كله، بكل سنواته وشهاداته وتخصصه، خذله في هذه اللحظة بالذات، تاركاً إياه عارياً أمام حبات مسكّن لا تصلح إلا لصداع عابر.
الدقيقة الأولى:
عاد وجلس. بدأ يحسب. عمره 45. غير مدخن. لا يشرب. يمشي نصف ساعة يومياً. هذا لا يمنع. رأى عشرات مثل هذه الحالات وماتوا جميعاً في أقل من سنة. تذكر عبارة كتبها هو بنفسه في تقرير قبل شهر: "الإنذار سيء". فكر: من سيوقع على شهادة وفاتي؟ خالد؟ سيكتب "زميل وصديق". كلمة باردة.
الدقيقة الثانية:
تحسس بطنه بأصابع مرتجفة، يبحث عن كتلة، عن دليل. لم يجد شيئاً، لكن هذا زاده رعباً: "ربما تأخرت. لماذا أهملت نفسي كأني عدو لي؟" فتح درج المكتب، أخرج دفتراً صغيراً، وكتب بخط مرتجف: "الوصية"، ثم توقف طويلاً أمام الكلمة، إذ أدرك فجأة أنه بعد خمسة عشر عاماً من العمل لا يملك ما يورّثه سوى دَينٍ، وعيادة مؤجرة، وساعة يد كان أبوه قد أهداه إياها. رفع القلم عن الورقة ولم يكتب شيئاً بعد. ثم بدأ حساباً آخر، أقسى: ستة أشهر، ربما أقل. ماذا يفعل بها؟ أراد أن يأخذ سميرة وابنيه إلى العقبة، رحلة أجّلها ثلاث سنوات. أراد أن يجلس مع أمه في القرية لا زائراً عابراً بل ابناً يسمعها أخيراً.
وهنا اقتحمته صورة رامي، ابنه الأكبر، بوجهه الجاد الذي كبر قبل أوانه، والذي قال له قبل أسابيع: "بابا، أنت حتى لما تكون قاعد معنا، مش قاعد معنا." كيف يخبره الآن، وهو في السابعة عشرة، عمر يتوق فيه الابن لأب يحتاجه لا لأب يحتضر أمامه؟ من سيحضر تخرجه؟ من سيعلّمه قيادة السيارة كما وعده مرتين ونكث؟ ثم رأى ليان، ابنته ذات التسع سنوات، التي لا تزال تنام أحياناً على صدره حين تخاف من الرعد، وتساءل بذعر: هل ستتذكرني حين تكبر، أم سأصبح صورة باهتة في ألبوم، ورائحة عطر تتلاشى من على وسادة؟ فكر أنه لم يحضر حفل مدرستها الأخير بحجة مريض طارئ، وأن هذا "الطارئ" ربما كان آخر فرصة رآها فيها ترقص. شعر بشيء يتمزق في صدره أعنف من أي ألم جسدي شعر به تلك الليلة. تخيل نفسه يجلس سميرة على الكنبة، يمسك يدها، يقول: "عندي خبر..." ثم يتوقف. كيف يقول كلمة "سرطان" لامرأة أمضت عشرين سنة تحسب معه كل قرش وسط دَينٍ لم يسدداه بعد؟ وأمه العجوز، كيف تحتمل أن تدفن ابنها الطبيب بعد أن دفنت زوجها وابنها الأصغر؟ فكر أنه ربما لن يخبر أحداً، توفيراً لهم الألم، ثم أدرك أن هذا جبن أخير يضيفه إلى سجل حياته الباردة.
الدقيقة الثالثة:
جاءته الهواجس التي كان يسخر منها في العيادة. ماذا عن المريض الذي طردته الأسبوع الماضي لأنه تأخر؟ قلت له "النظام نظام". الآن من سيعتذر له؟ تذكر يوسف الخطيب، الاسم في الملف الآخر الذي لم يفتحه. عامل نظافة من مدينة قريبة، 46 سنة، ثلاثة أولاد. فكر فجأة: يوسف الآن نائم ولا يعلم. وأنا مستيقظ وأعلم. أيهما أسوأ؟ ضحك ضحكة واحدة مكتومة. بدت له قاسية. وهنا، وجد نفسه يهمس بكلمات لم ينطقها منذ عقود، هو الذي كان يفخر بأنه "لا يحتاج إلهاً ليشرح له تركيب الخلية": "يا الله... ليش أنا؟ أنا ما آذيت حدا، أنا شغلت عمري كله بالمستشفى، ليش أنا؟" ثم توقف، مرتبكاً من نفسه. فكر: "أنا لا أؤمن... فلمن أتوجه الآن؟"
الدقيقة الرابعة:
حاول أن يكون طبيباً: "اهدأ. الإحصائيات ليست مصيراً. نحتاج خزعة." لكن الطبيب داخله مات في هذه الدقيقة. بقي الرجل. نهض وتوضأ رغم يقينه القديم. لم يصلِّ منذ سنين. وقف. قال فقط: "يا رب". ثم سكت، بخجل وبراحة لا يفهمها.
الدقيقة الخامسة:
رن الهاتف. خالد. "سامي؟ في لخبطة. الصورة اللي عملتها قبل شوي اختلطت بملف واحد جاي بعدك، اسمه يوسف الخطيب. تشابه أسماء بالنظام. آسفين يا زلمة."
لم يجب سامي على الفور. بقي صامتاً، والسماعة ملتصقة بأذنه، وقلبه الذي كان يخفق بجنون منذ خمس دقائق توقف فجأة، كأن الزمن نفسه تعثّر. سمع خالد يعيد: "سامي؟ سامعني؟" ولم يستطع أن يرد. نظر إلى يده الممسكة بالهاتف، فرآها لا ترتجف كما توقع، بل ثابتة بغرابة، ثبات الصدمة لا ثبات الطمأنينة. حاول أن يبتسم فلم يستطع، وحاول أن يشعر بالفرح فلم يجده، وكأن جسده احتاج لثوانٍ إضافية ليصدّق أنه لم يعد ذلك الرجل الذي بدأ الاستعداد للموت. أخيراً، بصوتٍ خرج أهدأ مما شعر به فعلاً، قال: "مفهوم." وضع الهاتف.
لم يشعر بالفرح. شعر بالخزي. خزي لأنه في خمس دقائق فكر في نفسه، ثم في أهله، ولم يفكر بيوسف إلا كرقم إلا لحظة عابرة. وخزي أعمق: أنه، الملحد المتيقن، ناجى إلهاً لم يخاطبه من قبل، وأن ذلك النداء كان الشيء الوحيد الذي هدّأ يديه.
جلس. نظر إلى الورقة. الكلمات "ورم خبيث" ما زالت هناك، لكنها لم تعد تعنيه. ومع ذلك ظلت تحفر.
في اليوم التالي دخل المستشفى. نفس المعطف. وقف عند سرير المريضة العجوز التي كان يمرّ عليها كل يوم دون أن ينظر إليها فعلاً، سحب كرسياً وجلس بجانبها، لا واقفاً كعادته، وأمسك يدها الباردة بين يديه. قال بصوت خفيض لم تعرفه ممرضاته فيه من قبل: "كيف حالك اليوم يا خالتي؟ شربتِ الدوا؟" ثم سكت، ينتظر جوابها كاملاً، دون أن ينظر لساعته ولو مرة.
وفي الليل، فتح دفتر المواعيد. وكتب: "خذ العيلة على العقبة. اتصل بأمي. اتصل بيوسف الخطيب واسأل عن صحته."
بقلم: سمير الخطيب
تعليقات
إرسال تعليق