رسالة بدموع العمر..م.جمال الشلالدة

 رسالة بدموع العمر
بعد عشرين عاما من الغياب طرق صديقي القديم بابي
لم أعرفه في البداية فقد غزا الشيب رأسه ونقشت السنون على وجهه حكايات طويلة لكن عينيه ظلتا كما عرفتهما في أيام الجامعة
عانقني طويلا ثم أخرج من جيبه ظرفا أصفر وقال بصوت مرتجف
هذه أمانة تأخرت كثيرا
فتحت الظرف بيد ترتعش فإذا برسالة كتبتها امرأة لم يغب اسمها عن قلبي يوما
عرفت خطها من أول حرف
كان خط حبيبة الروح
كتبت تقول
حبيبي
أعلم أنني رحلت وتركتك في منتصف الحكاية لكنني والله لم أرحل بإرادتي
عشت عشرين عاما أحملك في قلبي وأبحث عنك في وجوه الغرباء وأسمع صوتك في صمت الليالي
لم أنسك يوما ولم يمر عيد إلا وانتظرت عودتك ولم يأت مساء إلا تمنيت لو كنت إلى جواري
سامحني لأنني تركتك بلا وداع ولأنني جعلتك تعيش عمرا من الأسئلة التي لم أستطع الإجابة عنها
لقد أتعبني الغياب يا حبيبي وأصبح البيت موحشا والأيام متشابهة وقلبي رغم كل هذه السنين ما زال يسكنه اسمك وحده
أريد أن أراك مرة واحدة فقط
أن أضع يدي في يدك وأخبرك أنني ما زلت أحبك كما أحببتك أول مرة
إن بقي لي مكان في قلبك فلا تدع العمر يسرق منا ما تبقى
لقد تأخرنا كثيرا وأخشى أن نتأخر أكثر
المشتاقة إليك ما بقي من عمرها
انتهت الرسالة
وسقطت من يدي
جلست على الأرض أبكي كأن عشرين عاما من الانتظار قد انهارت فوق صدري في لحظة واحدة
تذكرت لقاءنا الأول تحت شجرة الجامعة وضحكتها وهي تقول إنني قدرها وتذكرت يوم رحلت بالقطار وتركتني واقفا على الرصيف أراقبها حتى اختفت
كنت أظن أنها نسيتني كما ظننت أن النسيان سيخلصني منها
لكنني اكتشفت أن قلبين قد يعيشان العمر كله على ضفتي فراق واحد ويبكي كل منهما الآخر في صمت
رفعت رأسي إلى صديقي وسألته أين هي
قال إنها تنتظرني
نهضت مسرعا وضممت الرسالة إلى صدري وقلت له
خذني إليها الآن
لا أريد أن تنتظر دمعة أخرى
وحين وصلت إلى بيتها وطرقت الباب انفتح ببطء
كانت هي
تغير وجهها وشاب شعرها لكن عينيها ظلتا تحملان الحكاية ذاتها
نظرت إلي وهمست باسمي
فنسيت كل كلمات العتاب التي أعددتها طوال عمري
مددت يدي إليها فوضعت يدها في يدي وبكت
قلت لها وأنا أمسح دموعها
لقد تأخرنا كثيرا يا حبيبتي
فأجابتني بصوت مكسور
لكننا لم نتأخر عن الحب
عندها احتضنتها وبكينا على عمر ضاع وعلى لقاء كاد يفوت وعلى قلبين عذبهما الصمت أكثر مما عذبهما الفراق
وفي تلك اللحظة أدركت أن بعض الرسائل تصل متأخرة لكنها تأتي أحيانا لتنقذ ما تبقى من العمر
يا حبيبة الروح
لقد أخذت منا السنوات ما أخذت ولن أعاتب القدر على ما مضى
يكفيني أنك عدت وأنني وجدت في عينيك ما يؤكد أن الحب الصادق قد يتعبه الزمن لكنه لا يموت
فبعض الأحبة لا يغيبون عن قلوبنا أبدا وإنما يتأخر بهم الطريق

بقلم  : م جمال الشلالدة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

احتاجك قربي...شعر توفيق السلمان

الاعلام القذر...يوسف نعيم