أأفسر الماء بالماء؟ في حضرة الوجد..الراوي الراوي

 أأفسر الماء بالماء؟

في حضرة الوجد


تسألينني: لماذا تحبني؟

وكيف أفسر ما لا يفسر؟

أأفسر الماء بالماء؟

أم أشرح للنار سر احتراقها؟

أم أسأل الناي كيف يبكي

وهو لم يعرف الدموع؟


يا سيدتي،

لو كان للعشق سبب

لما ضل العارفون في حضرته،

ولما خلع القلب نعليه

على عتبة الحنين،

ولما وقف العاشق أمام عينيك

كصوفي أضاع لغته

حين انكشف له السر.


ما اخترتك من بين النساء،

فالروح لا تختار وطنها،

إنها تتعرف إليه

كما يتعرف النهر إلى البحر،

وكما يتذكر الناي غابه

حين توقظ الريح جرح القصب.


كنت أظن الحب لقاء قلبين،

حتى أحببتك،

فعرفت أن العشق

أن تسقط المسافة بين اثنين،

أن يغيب الاسم عن صاحبه،

وأن يصبح الحضور

أوسع من الجسد،

وأعمق من اللقاء.


يا امرأة

كأن الله أودع في عينيها

شيئا من دهشة الخلق الأولى،

وفي صوتها رجع دعاء

ضاع من شفتي

وبقي في روحي.


لم أعرفك حين رأيتك،

بل تذكرتك،

كأنك كنت تسكنين

ذاكرة لم أعشها،

وكأن قلبي

كان يتهجى اسمك

قبل أن يتعلم الكلام.


حين أراك

تتوضأ الأشياء بالضوء،

ويخلع الليل عباءته،

ويصير الصمت

مئذنة من حنين.


أراك

فأفهم لماذا يدور الدراويش،

ولماذا يطيل الناي بكاءه،

ولماذا يصمت العارف

حين يبلغ من الحقيقة

ما لا تحتمله العبارة.


ليس الوجد أن أشتاق إليك

حين تغيبين،

بل أن يفيض حضورك

حتى أعجز عن احتوائه،

وأن أراك أمامي

فأحن إلى ما وراء عينيك،

إلى ذلك الغيب الجميل

الذي لا تدركه النظرات.


أي بحر أنت

كلما ارتويت منه ازددت عطشا؟

وأي نار

كلما احترقت بها

خرجت من رمادي أكثر حياة؟


لقد علمتني

أن العشق ليس أن أضمك إلي،

بل أن أفسح لك في روحي

حتى تضيق عن أنانيتها.


وأن المحبة لا تبلغ صفاءها

حتى تسقط عنها رغبة الامتلاك،

فلا يعود القلب يسأل

كيف أبقيك لي،

بل كيف أصير جديرا

بكل هذا الجمال.


يا حبيبتي،

إن في الروح مقاما

لا تصله الأقدام،

وفي القلب نافذة

لا تفتحها المفاتيح،

وفي العشق معرفة

لا تمنحها الكتب.


وقد جئت

فانفتح ما كان موصدا،

وانكسر في داخلي

ذلك الجدار الذي كنت أظنه نفسي.


لم تكوني نصفا يكملني،

بل كنت مرآة

رأيت فيها وجهي

بعد أن غسلته المحبة

من غبار السنين.


ومنذ أحببتك

لم يعد الغياب فراغا،

بل صار محرابا للانتظار،

ولم يعد الشوق ألما خالصا،

بل صار نارا

تطهر القلب مما ليس حبا.


أتعلمين؟


بعض النساء يعبرن العمر

مثل نسمة في حديقة،

وبعضهن يتركن في الذاكرة عطرا،

أما أنت

فقد مررت بروحي

كما يمر الفجر في جسد الليل،

فلم يبق الظلام كما كان،

ولا عاد الضوء مجرد ضوء.


كنت قبل عينيك

أعرف أسماء الأشياء،

ولا أعرف أسرارها.


أعرف أن المطر ماء،

حتى سمعت صوتك

فعرفت أن للغيم قلبا.


وأعرف أن للورد عطرا،

حتى اقتربت منك

فعرفت أن بعض الأرواح

تفوح دون أن تزهر.


وأعرف أن للإنسان ظلا،

حتى أحببتك

فاكتشفت أن بعض الأحبة

يصيرون نورا

لا يترك خلفه ظلالا.


يا سيدتي،

إن الحب الذي أكنه لك

ليس انبهارا عابرا،

ولا رغبة يطفئها الوصال،

بل وجد قديم

كأن الروح حملته

من أول دهشتها بالوجود.


أحيانا أشعر

أنني لم ألتق بك في هذه الحياة،

بل عدت إليك

من غربة لا أعرف بدايتها.


كأن بيننا عهدا

لم تكتبه الأيدي،

ولم تحفظه الذاكرة،

لكن القلب يعرفه

كلما ناديت اسمي.


فلا تسأليني عن السبب،

فالأسباب أبواب العقل،

أما العشق

فريح تدخل من حيث لا باب.


ولو استطعت أن أعد أسباب حبك

لخشيت أن ينتهي الحب

عند آخر سبب.


لكنني أحبك

كما تنحني السنابل للمطر،

وكما يشتاق القصب إلى جذوره،

وكما يحن المسافر

إلى بيت لم يره

لكنه يعرف دفأه.


أحبك

حتى صار اسمك في صدري

أقرب إلى المناجاة،

وصار الصمت بيننا

أبلغ من اعتراف طويل.


ولست أخلط بين الحب والعبادة،

لكن محبتك علمتني

أن في القلب متسعا للرحمة،

وأن الجمال إذا مس الروح

أيقظ فيها الشكر،

وأن الإنسان قد يهتدي

إلى صفاء نفسه

حين يحب دون خوف أو امتلاك.


يا حبيبتي،

إن سألتني ألف مرة

لماذا أحبك،

فلن أفتش في اللغة عن جواب.


سأدع يدي ترتجف في يدك،

وأترك لعيني أن تقولا

ما عجزت عنه القصائد.


فبعض الحقائق لا تشرح،

بل تعاش،

وبعض الأسرار لا تكشف،

بل تذاق،

وبعض الأرواح

إذا تلاقت

سقطت بينها حواجز الكلام.


فكيف أفسر الماء بالماء

وأنت النبع والعطش؟

وكيف أصف النار

وأنا الحطب واللهب؟

وكيف أشرح لك الحب

وأنا منذ أحببتك

لم أعد أعرف أين ينتهي قلبي

وأين يبدأ الغياب؟


إنني لا أحبك لأنك أجمل النساء،

بل لأن الجمال في حضرتك

يتخلى عن حاجته إلى الوصف.


ولا أحبك لأنك تشبهين أحلامي،

بل لأن أحلامي كانت تبحث عنك

قبل أن أعرف أن لها وجها.


وما عشقي لك أن أراك في كل شيء،

بل أن أرى كل شيء

بعين ولدت يوم أحببتك.


فإن أردت جوابا

فاسمعي ما يقوله الوجد

حين يصمت العاشقون:


أحبك لأن الروح حين لامست روحك

تذكرت شيئا من وطنها الأول،

فسكنت بعد طول اغتراب،

ثم اشتاقت وهي في حضرة الوصال.


وذلك أعجب ما في العشق:

أن تكوني طمأنينتي وقلقي،

مرفئي وبحري،

أن أبلغك فلا ينتهي السفر،

وأن أرتوي منك

فأكتشف أن الارتواء

ليس انطفاء العطش،

بل أن يصبح العطش نفسه

لذة لا أريد الشفاء منها.


فدعيني أحبك دون تفسير،

فما كل ما يفيض عن الروح

تسعه اللغة،

ولا كل ما يعرفه القلب

يحتمل البرهان.


وحين تسألينني مرة أخرى:

لماذا تحبني؟

سأقول:


لأنني كلما حاولت أن أفسر حبك

وجدتني كمن يحمل البحر في كفيه،

فلا البحر يضيق،

ولا الكفان تتسعان،

ولا أنا أملك إلا أن أبتل

بذلك السر الجميل.


فأصمت...

لا لأنني لا أملك الجواب،

بل لأن بعض الأجوبة

إذا نطقت بها الشفاه

فقدت ما منحها القلب من قداسة.


وأنت يا حبيبتي

لست سؤالا ينتظر جوابا،

بل دهشة

كلما ظننت أنني بلغت منتهاها

بدأت في روحي من جديد.


الراوي الراوي


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

توهان الروح ___________ يوسف نعيم.

احتاجك قربي...شعر توفيق السلمان

الاعلام القذر...يوسف نعيم