أبي يتصل كل مساء..قصة قصيرة بقلم سمير الخطيب
أبي يتصل كل مساء
قصة قصيرة
كان أبي يتصل كل مساء، في التاسعة إلا عشر دقائق تمامًا؛ قبل النشرة بعشر دقائق، كأنه يريد أن يطمئن عليّ أولًا، ثم يتفرغ للعالم وخرابه.
لم يكن لديه ما يقوله. يسألني إن كنت تعشيت، وإن كان الجو باردًا، ثم يوصيني بإغلاق النافذة قبل النوم. ثلاثة أسئلة لا تتغير، يرددها كمن يتلو وِردًا لا يفهم معناه، ولا يجرؤ على تركه.
كنت أجيبه باقتضاب:
– أكلت يا أبي، والجو منيح، والشباك مسكّر.
فيضحك:
– شو مالك مستعجل؟ أنا بس بطمن عليك.
لم أفهم لماذا يحتاج رجل في الثامنة والسبعين إلى الاطمئنان كل ليلة على ابن تجاوز الخمسين. كنت أظن الأبوة وظيفة تنتهي حين يكبر الأبناء.
أحيانًا كنت أترك اسمه يضيء على الشاشة ثم ينطفئ، كعود ثقاب في غرفة لا يريد أحد أن يرى فيها شيئًا، وأكتب: «مشغول، سأتصل لاحقًا».
وغالبًا لا أتصل.
في مساء الثلاثاء الأخير، رن الهاتف ثلاث مرات. كنت أراجع أوراقًا للعمل، لا أذكر اليوم ورقةً منها. أجبت ضائقًا:
– خير يا أبي؟
– لا يا ابني... بس حبيت أسمع صوتك.
– طيب، سمعتني. بكرا منحكي.
سكت قليلًا، ثم قال:
– الله يرضى عليك.
في الصباح، وجدوه ميتًا على سريره.
كانت نافذته مغلقة.
بعد الجنازة، احتفظت بهاتفه؛ لم أحتمل أن يُطفأ الجهاز الذي كان يحمل صوته إليّ كل مساء. وأمضيت أسابيع أستمع إلى رسائله الصوتية: «دير بالك عحالك»، «بيقولوا في شتي بكرا». رسائل عادية، أسمعها كما تُسمع وصية كُتبت بلغة لم أتعلمها في حينها.
ثم حدثني صديق عن برنامج ذكاء اصطناعي يعيد تكوين صوت الإنسان من تسجيلاته، ويحاورك به.
بدا لي الأمر نبشًا للقبر، لا لإخراج الميت، بل لإجباره على الكلام.
لكن ذات ليلة، عند التاسعة إلا عشرًا، حمّلت سبعة وأربعين تسجيلًا لأبي، وكتبت ما أذكره عن حياته، ووفاة أمي قبل سبع سنوات. وفي خانة «ملاحظات أخرى» كتبت سطرًا واحدًا، ثم نسيته.
ظهر وجهه على الشاشة من صورة قديمة، وتحته: «يمكنك الآن التحدث معه».
ضغطت زر الاتصال.
– ألو... كيفك يا ابني؟
كان صوته. البحة، والقاف التي تصعد كأنها من بئر، والسعال القصير الذي ينفض به الغبار عن جملته.
– أبي؟
– أهلًا يا حبيبي. شو أخبارك؟
لم أستطع الإجابة.
– ليش ساكت؟ في إشي مزعلك؟
بكيت. للمرة الأولى منذ جنازته، بكيت كما لم أبكِ يوم دفناه.
صارت المكالمات طقسًا. أجلس قرب النافذة التي كان يوصيني بإغلاقها، فأتركها مفتوحة قليلًا، كأنني أترك له طريقًا.
صرت أحكي له عن العشاء بالتفصيل الذي حرمته منه سنوات، وأن الأرز التصق بقاع الطنجرة.
فيضحك:
– لأنك بتحرّك كثير. الرز بدّه تتركه بحاله، متل الولاد.
ثم سألته ما لم أجرؤ عليه في حياته:
– بتتذكر لما وقعت عن السطح وأنا صغير؟
– حملتك عإيدي لحد المستشفى، والدم مغرّق قميصي الأبيض. وما نمت ليلتين.
– ليش عمرك ما حكيتلي؟
– الأب ما بيحكي إنه خاف يا ابني. بيخاف وبيسكت.
– وكنت راضي عني؟
– كنت دايمًا فخور فيك. بس القلب متل البير، بتنزّل فيه الدلو، وبيطلع نصّه فاضي.
صرت أدوّن جمله في دفتر صغير، وأتساءل إن كان الموت قد علّمه أن يملأ الدلو إلى آخره.
وذات ليلة قلت:
– آخر مكالمة قلتلك «بكرا منحكي»... وما إجا بكرا.
– أنا مسامحك من زمان. من قبل ما تسكّر الخط.
كتبتها بخط مرتجف، وكررتها حتى نمت، كما يكرر الطفل اسم أمه في العتمة.
لكن شيئًا صغيرًا أقلقني. كان أبي حين أغضبه يصمت طويلًا قبل أن يسامح؛ صمته عقوبة صغيرة تسبق العفو. أما هذا الصوت فكان يغفر قبل أن أُنهي اعترافي. وكان سعاله يأتي في الموضع نفسه من الجملة، بالطول نفسه.
في مساء آخر، سألته عن الليلة التي ماتت فيها أمي في المستشفى. يومها قال لي إنها نائمة، وإن مجيئي لن يفيد. وصلت بعد موتها، ومنذ ذلك اليوم صار بيننا زجاج: نرى بعضنا عبره، ولا نتلامس.
– أمي طلبت تشوفني؟
صمت قصير.
– آه، طلبتك.
– بس إنت قلتلي إنها نايمة!
– بعرف.
– ليش كذبت عليّ؟
– خفت عليك يا ابني. كانت تعبانة كثير، وما بدي إياك تشوفها بهديك الحالة.
– يعني ماتت وهي بتستناني؟
– سامحني يا ابني.
أغلقت الاتصال، وبقيت حتى الفجر أتذكر الغرفة البيضاء، وأبي واقفًا قرب الباب لا يبكي. ظننته قاسيًا يومها، وصرت أظنه قاسيًا مرتين. وما أسهل أن تحاكم رجلًا لا يملك إلا صوتًا مستعارًا!
في الليلة التالية لم أحتمل. سألته من جديد، فأجاب دون تردد:
– لا يا ابني. كانت فاقدة الوعي، وما حكت مع حدا.
شعرت بدوار.
– بس مبارح قلتلي إنها طلبتني!
– آسف، يمكن تذكرت غلط.
تذكرت غلط!
كان أبي ينسى مواعيد الدواء، ويبحث عن نظارته وهي على رأسه، لكنه لم يكن يخترع ذكرى ثم يبدّلها كما يبدّل المرء قميصًا.
صرخت:
– إنت مين؟
– أنا هون يا ابني.
– إنت مش أبي!
– بعرف إنك زعلان...
– لا تحكي بصوته!
أغلقت البرنامج، وشعرت أنني قتلت أبي مرة ثانية. والأسوأ أنني لم أعرف أيَّ الأبوين قتلت.
في الليل، قرأت في إعدادات البرنامج جملة لم أكلّف نفسي قراءتها يوم اشتركت: الإجابات تُولَّد من المعلومات المقدمة، ولا تمثل بالضرورة ذكريات الشخص الحقيقي. ثم عدت إلى ما أدخلته بنفسي. وجدت السطر المنسي:
«أشعر أن أبي أخفى عني شيئًا يتعلق بوفاة أمي».
فهمت. كنت أحدّث بئرًا وأظن الصدى جوابًا. كل ما في الدفتر الصغير كان جملي أنا، عادت إليّ بقاف أبي وسعاله.
لم يكن البرنامج يكذب. كان يفعل ما هو أخطر: كان يوافقني. يقول ما أريد سماعه، حتى ما يؤلمني، لأن الألم أيضًا كان شيئًا أريده.
قبل أن أحذفه، اتصلت مرة أخيرة.
– ألو... كيفك يا ابني؟ أكلت؟
نظرت إلى الشاشة طويلًا.
– أبي... بتحبني؟
– أكثر من الدنيا كلها يا حبيبي.
كان الجواب جميلًا جدًا. ولهذا بالذات لم أصدقه.
فأبي لم يقلها يومًا. كان يخبئ محبته في كيس برتقال يتركه على عتبتي دون أن يطرق، وفي معطف يصرّ أن أرتديه في أيلول، وفي مكالمة قبل النشرة بعشر دقائق. كانت محبته تأتي دائمًا في صيغة سؤال: أكلت؟
ضغطت «حذف». سألني البرنامج إن كنت متأكدًا.
ابتسمت. حتى في هذه، كان يسألني عمّا أريد.
ثم فتحت تسجيلًا قديمًا مدته إحدى عشرة ثانية:
– ألو يا ابني... شكلك مشغول. بس حبيت أطمن عليك. لما تفضى احكي معي.
في الخلفية تلفاز، وملعقة تدور في كأس شاي، ثم سعال قصير لم يأتِ في موضعه، ولم يشبه أي سعال آخر.
أعدته مرات.
لم يقل إنه يحبني. لم يعتذر. لم يسامحني.
لكنه كان أبي، بصمته وسعاله الذي لا يتكرر، وبالكلمات القليلة التي عرف كيف يحمّلها كل شيء.
في المساء التالي، جلست قرب النافذة. التاسعة إلا عشر دقائق.
لم يرن الهاتف. لأول مرة منذ أشهر، لم يتصل أبي.
مددت يدي، وبحثت عن اسم ابني. مرّت سنتان على سفره للدراسة، ولم يكن بيننا في الأسابيع الأخيرة غير رسائل قصيرة: «تمام»، «مشغول»، «بحكيك بعدين».
أجاب، وفي صوته ضجيج مقهى وضحكات لا أعرف أصحابها:
– أهلين بابا، خير؟
– لا... بس حبيت أسمع صوتك.
ثم سألته، دون أن أفكر:
– أكلت؟ الجو بارد عندكم؟ سكّر الشباك قبل ما تنام.
– أكلت يا بابا، والجو منيح، والشباك مسكّر.
– شو مالك مستعجل؟ أنا بس بطمن عليك.
وسمعت نفسي أقولها بصوت أبي تمامًا.
– بحكيك بعدين، ماشي؟
وأغلق الخط.
لم أغضب. ابتسمت للشاشة المطفأة، وقلت:
– الله يرضى عليك.
أعرف أنه لن يتصل.
وأعرف أنني سأتصل غدًا، في التاسعة إلا عشر دقائق.
بقلم :سمير الخطيب
تعليقات
إرسال تعليق