رحلة السبعة عشر ساعة: حين بكى الزجاج واستيقظت الروح. ..د. محمد شعوفي
رحلة السبعة عشر ساعة: حين بكى الزجاج واستيقظت الروح. قبل أن تدور عجلات الحافلة، كان الصمت يسكن الأرجاء كثوبٍ ثقيل ينتظر من يخلعه. في غمرةِ المسافات، لا يسافر المرء ليغير مكانه، بل ليغير ما استقرّ في أعماقه من ركود. فكل طريق مقطوع هو في جوهره جلاءٌ لمرآة الروح أمام حقائق الوجود. انطلقت بنا الرحلةُ عند الخامسة والنصف مساءً، وحقيبة القلق الخفي تثقل كاهلي أكثر من حقائب السفر المكدسة في العنبر. تمتدُّ الطريق لسبع عشرة ساعة، ليست كأرقامٍ في عمر الزمن، بل كمخاضٍ طويل من الصمتِ المتقطع بأنين الإطارات على الأسفلت المبلل. فجأة، بدأ المطرُ ينهمر بعنفٍ غير متوقع، وضربت قطراتُه الزجاجَ ضرباتٍ متلاحقة كأنها تريد اختراق حاجز الأمان. ارتجفت الحافلةُ قليلاً تحت وطأة الرياح، وهنا التفتُ إلى طفل صغير كان مع والدته بالقرب مني، قد التصق وجهه بالزجاج البارد، وعيناه الواسعتان ترسمان دهشةً ممزوجةً بخفة ظلٍّ طفولي لا يملكها الكبار. هل هناك من يتعلم التواضع من طفلٍ يرى في العاصفة لعبةً بينما يرى فيها الكبار تهديداً؟ في إحدى محطات التوقف المؤقت، نزلنا لنشرب شايًا ساخنًا يدفئ أطرافنا المتجمدة، فوجدتُ ...